العرب والدولة المدنية.. التحديات والفرص الضائعة - Articles
Latest Articles

العرب والدولة المدنية.. التحديات والفرص الضائعة

العرب والدولة المدنية.. التحديات والفرص الضائعة

لعل الجزء الأوفر من حزمة التحديات الكبيرة، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والتقنية، التي تواجهها المجتمعات العربية والإسلامية في عصرنا الراهن، إنما يعود بشكل أو بآخر إلى تحد عام رئيس يجمعها ويعبر عنها معاً، ألا وهو تحدي بناء «الدولة المدنية»، وهو التحدي أو الرهان الذي كسبته المجتمعات الغربية منذ ثلاثة قرون، واستطاعت بذلك أن تتجاوز الكثير من الإشكالات العملية والنظرية التي لم تزل إلى الآن مطروحة بشكل متكرر وملح في معظم البلاد العربية.

وفي كتابه الذي نعرضه هنا، «تحديات الدولة المدنية في العالم العربي والإسلامي»، يذكر الكاتب والإعلامي الإماراتي راشد صالح العريمي، أن فكرة «الدولة المدنية» أصبحت سائدة في النقاش العام في العالم العربي منذ عقدين من الزمن تقريباً، حيث تم تبنيها من قبل الحركات السياسية والتيارات الفكرية على اختلاف توجهاتها، وقبل ذلك فإن الدول الوطنية التي بدأت تتأسس في العالم العربي عقب الاحتلال الأجنبي المباشر منذ منتصف القرن الماضي، وعلى اختلاف أنواع أنظمة الحكم فيها، ادعت «المدنية» كصفة لها ووعدت بتجسيدها. لكنها أخفقت في ذلك، كما أثبتت لاحقاً مظاهرات «الربيع العربي» التي تمحورت مطالب المشاركين فيها حول تأسيس دولة مدنية حديثة في أقطارهم المختلفة. بيد أن شعارات «الربيع العربي» ووعوده فيما يتعلق بمطلب «الدولة المدنية» ذهبت هي أيضاً أدراج الرياح، بل تحول «الربيع» نفسه إلى شتاء قارس أو صيف قائظ أو خريف بائس.

وانطلاقاً من هذه الملاحظة يثير المؤلف تساؤلين: لماذا الدولة المدنية عصية على التأسيس في العالم العربي؟ وما التحديات التي تحول دون بنائها في هذا الجزء من العالم؟ لكنه قبل أن يجيب على تساؤليه، يتوقف عند مفهوم «الدولة المدنية» ذاته، وما يتصل به من تعريفات وإشكالات، مزيلاً اللبس بينه وبين مفاهيم أخرى على رأسها «الدولة العلمانية» و«الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية»، وموضحاً بالخصوص أن مفهوم «الدولة المدنية» تم تبنيه في السياق العربي تجنباً للبس الذي حصل مع مفهوم «الدولة العلمانية»، ولاحتواء الاعتراضات التي واجهها من جانب المنتمين للتيار الديني، فضلاً عن الخبرة السلبية لبعض أنظمة الحكم العربية الموصوفة بـ«العلمانية» منذ الاستقلال. لذا مثَّل مصطلح «الدولة المدنية» ما يشبه «الوفاق التاريخي» الذي ساعدت عليه «الثورات العربية» للخروج من مأزق التنازع بين أطروحتي «الدولة الدينية» و«الدولة العلمانية».

ثم يتوقف المؤلف عند بعض الفرص الضائعة لتأسيس دولة مدنية في العالم العربي، قائلاً إنها ثلاث فرص سنحت أمام العرب لتأسيس الدولة المدنية الحديثة، لكنهم أضاعوها كلها.

فبعيد الاستقلال في أواسط القرن الماضي وقيام الدول الوطنية في العالم العربي، كان يمكن تأسيس دول مدنية حديثة، لكن البلدان العربية أخفقت في تبني الحكم المدني القائم على الديمقراطية، لأن أنظمة الحكم في حينها فرضت أجواء إقصاء وإلغاء للرأي الآخر، حتى لا تشاركها الحركات والأحزاب والتيارات العلمانية في السلطة ومكاسبها. وفي أحسن الأحوال قامت بعض الأنظمة بتدجين تلك الحركات والأحزاب والتيارات لجعلها جزءاً من جوقة التابعين، وهو ما فتح الطريق أمام ما يسمى «الصحوة الإسلامية» في العقود الأخيرة من القرن الماضي، حاملةً شعار «الإسلام هو الحل»، وداعيةً إلى تأسيس أنظمة حكم إسلامية، بل سرعان ما حملت السلاح في مواجهة الدول والمجتمعات، ومن ورائهما العالم بأسره.

أما الفرصة الثانية التي لاحت أمام العرب لتأسيس دول مدنية حديثة، يقول المؤلف، فكانت في مطلع تسعينيات القرن الماضي، مع انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفييتي وبروز العولمة، حيث أدركت أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية كنه هذه التغيرات وحتميتها، فانخرطت في عمليات انتقال من الدكتاتورية والشمولية والتسلطية إلى إقامة نظم حكم ديمقراطية من خلال تأسيس الدول المدنية، لكن البلاد العربية لم تنتبه لهذا التوجه، بل قاومته وغضت النظر عما يجري حولها من تغيرات جذرية وعاصفة، وحتى حين قامت بعض الدول العربية، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، بتطوير سياستها الخارجية بعيداً عن مبدأ التبعية، بالاعتماد على الشراكة مع الغرب، فإن هذه الشراكة لم تتحول إلى شراكة داخلية حقيقية في بنية الحكم عبر صياغة نظام سياسي تعددي ديمقراطي.

ثم لاحت الفرصة الثالثة مع انتفاضات «الربيع العربي» منذ عام 2011 لتأسيس دولة مدنية في بعض البلدان العربية، غير أن هذه الانتفاضات تحولت إما إلى صراع مسلح، وإما إلى حرب أهلية، وإما جعلها الإسلاميون مطية لتأسيس دولتهم الدينية أو حلم «الخلافة» و«أستاذية العالم»، كما تحول المنتفضون والثوار إلى إقصائيين بعضهم ضد بعض، أو بعبارة أخرى، كما يقول المؤلف، لم يفض ما أُطلق عليه «الربيع العربي» إلى تحول حقيقي في بنية الدولة العربية كما هي قائمة منذ الاستقلال.

أما أكبر تحدٍّ يواجه بناء الدولة المدنية في العالم العربي، كما يوضح العريمي، فهو الإسلام السياسي الذي يرفض مبدأ فصل السلطات وسيادة المواطنة، ويريد فرض قراءته للإسلام وتشريعاته دون العودة إلى التطورات المتواصلة على الصعد العالمية. وتحاول حركات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة «الإخوان المسلمين» الإرهابية، فرض أسلمة المجتمع بكل الوسائل، وكان واضحاً بعد الصعود السياسي لهذه الجماعة في مصر عقب ثورة يناير 2011، وما أظهرته من توجه إقصائي متجذر في ذهنيتها وسلوكياتها، وما كشفت عنه من ولاء يتجاوز حدود الدولة الوطنية.. أن حركات الإسلام السياسي تمثل أخطر تهديد سياسي لمشروع الدولة المدنية. لذا يتناول الكتاب تجارب الدول التي اختبرت «الربيع العربي»، متوقفاً عند تجربتين كانتا التحدي الأكبر للدولة المدنية، هما التجربة المصرية والتجربة التونسية، اللتان سبق أن أعلنتا القبول بمفهوم الدولة المدنية الحديثة.

ورغم التحدي الذي تمثله جماعات الإسلامي السياسي، فقد نجح عدد قليل من الدول الإسلامية، مثل تركيا وماليزيا وإندونيسيا، بدرجات متفاوتة، كما ينقل المؤلف عن الدكتور جمال سند السويدي في كتابه «السراب»، في بناء دولة مدنية حديثة، والقاسم المشترك بين هذه الدول كونها استطاعت الخروج من شرنقة الإشكاليات والثنائيات العقيمة التي لا يزال كثير من المسلمين والعرب أسارى لها.

محمد ولد المنى

الكتاب: تحديات الدولة المدنية في العالم العربي والإسلامي

المؤلف: راشد صالح العريمي

الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية

تاريخ النشر: 2017

الاتحاد

Related

Share

Rating

0 ( 0 reviews)

Post a Comment

Category
Author
More Options
  • Recent
  • Popular
  • Tag
Tags