الجامعة المصرية تحت رحمة أصوليات أمنية وأخلاقية - Articles
Latest Articles

الجامعة المصرية تحت رحمة أصوليات أمنية وأخلاقية

الجامعة المصرية تحت رحمة أصوليات أمنية وأخلاقية

سعد القرش

يحدث في بلادنا أن يلجأ طبيب سلفي إلى العلاج بالحجامة، في إهانة للعلم تنطلق من مصطلح الطب النبوي. ويحدث أيضا أن تتخلى الجامعة عن دورها وتنافس الجامع في وظيفته، أو ما يظن البعض أنها وظيفته. وقد انتهى السباق السنوي على التظاهر بالتقوى والتضرع إلى الله بميكروفونات الشوارع المخالفة لأمر القرآن أن يكون الدعاء “تضرعا وخفية".

شمل هذا النفاق تصديق رئيس جامعة مصرية على قرار عزل أستاذة جامعية عقابا على رقصها في مقطع فيديو تلصّص عليه البعض، وخدش تقواهم. حيثيات هذا الحكم القاسي على أستاذة الجامعة تخلط بين وظيفتي الجامعة والجامع، وتعيدني إلى مشهدين في سيرة الدكتور محمد عبدالفتاح القصاص الرئيس الأسبق للاتحاد الدولي لصون موارد الطبيعة.

المشهد الأول في كلية العلوم بجامعة القاهرة، وكان وضع أسئلة امتحان البكالوريوس وتقييم الإجابة، عملا مشتركا بين الكلية في الجامعة المصرية والكلية المناظرة لها في جامعة لندن، “تحقيقا للتساوي العلمي بين الجامعتين”، وكان بإمكان الحاصل على البكالوريوس هنا أن يسجل لنيل الدكتوراه هناك. ولم يعد هذا “الاعتراف الدولي” قائما، بعد تراجع الجامعات المصرية وتحولها إلى بنايات تسكنها روح المدارس والجوامع، وليس سرّا خلو المدارس المصرية من شيء كان اسمه “التعليم".

سافر القصاص إلى لندن عام 1947 لدراسة الدكتوراه في جامعة كامبريدج، وفي سيرته التي حملت عنوان “خطى في القرن العشرين وما بعده” سجل المشهد الثاني، وكان طرفا فيه ويحتفظ كمصري بموروثه عن المعلم الذي كاد “أن يكون رسولا”، وطالبه أستاذه بحضور عروض طلاب السنة النهائية لمقالات موسعة كلفوا بها في تخصصهم، لكي يناقشه في انطباعاته، ثم ذهب القصاص إلى الأستاذ، وقال إن الطلاب أحسنوا، “ولكني لاحظت أنهم يتناولون العلماء الرواد بغلظة تصل إلى سوء الأدب، وكان لهؤلاء العلماء لديّ قداسة الشيوخ الأوائل”.

فقال له الأستاذ “هذا شيء مقصود، فنحن نربي الأولاد على التحرر وشجاعة النقد ورفض القداسة للسابق والاستعداد الدائم لهدم القديم وبناء الجديد. ودلني على أن تربية الطالب على شجاعة النقد تشحذ قدراته العلمية”، وتنمي قواه العقلية وقدراته على التجديد. ولا ينتظر أي تجديد من عقول تلتزم التقليد المعرفي والتزمّت الأخلاقي، فيكون القادم نسخة من السابق، طبعة جديدة غير مزيدة ولا منقحة.

وقضت الأجواء المتوترة بعد انتكاسة ثورة 25 يناير 2011 ونسف مكاسبها السريعة، أن تحرص الجامعة على وظيفة الجامع، وتكتفي بدور المدرسة. أنهت ابنتي “سلمى” التعليم الثانوي، وظننت أنني سأستريح من الأعباء المالية للدروس الخاصة، لأن المدارس بلا تعليم والتعليم بلا مدارس، ففوجئت بأن جامعة القاهرة لا تختلف عن المدرسة، والمحاضرات تنتقل من قاعاتها إلى مراكز أهلية تستأجر، ويربح المدرس المساعد الذي يقدّم المحاضرة دخلا لا يحلم به وزير، بعيدا عن الرقابة، والطلبة مضطرون كما كانوا مضطرين في المدرسة للدروس الخاصة.

فاتني إيضاح كيف انتكست الثورة، فعقب نجاحها في خلع حسني مبارك، حلمنا بمستقبل تحكمه الكفاءة والندية، وينهي تحكم الجهات الأمنية في إدارة الجامعة، ذلك ماض أسود أنهته مؤقتا روح “مدنية” أنعشت مصطلحات منها انتخابات عمادة الكليات ورئاسة الأقسام، أملا في ديمقراطية تصحّح أخطاءها في أقرب انتخابات، ويكون انتماء الفائز لضميره ولزملاء منحوه الثقة، أما قانون التعيين في المناصب يجعل الانتماء إلى ولي النعم الذي يمنح العطايا للموظفين، من رئيس القسم إلى رئيس المجلس الأعلى للجامعات، وبعد 30 يونيو 2013 استعيدت روح نظام مبارك، فكل موقع بالتعيين، في الجامع والجامعة.

هناك من استمرأوا التعيين، ولا يعلنون عن إصابتهم بداء هذا الإدمان، ولا ينتظر منهم انتقاد لجهة أو شخص اختارهم من بين آخرين أكثر استحقاقا. في ديسمبر 2015 عيّن يوسف القعيد في البرلمان، وفي أغسطس 2017 اختير عضوا في مجلس جامعة القاهرة للثقافة والتنوير”.

جميل بالطبع أن ترفع الجامعة شعارها ككيان دينه العلم، ولكن كلمة التنوير بحسن نية تكاد تكون ستارا من الدخان يخفي ما لا يصح أن يظهر، فلا ينهض بالتنوير من تسري في دمائهم طبائع الاستبداد، ولم يستنكروا أن تمارس عليهم درجات من العبودية فأعادوا إنتاجها على الآخرين. أستعرض نصف عدد أعضاء مجلس جامعة القاهرة للثقافة والتنوير وأتحسّر على مصير ثورة 25 يناير، فالذين راهنوا على بقاء مبارك، من فلول وصحافيين، يتستّرون بترديد كلمات صاخبة عن الأصولية والإرهاب الديني.

لم يناقش مجلس جامعة القاهرة للثقافة والتنوير مخاطر الاستبداد، والآثار السلبية لشبح الدكتاتورية على اختيار قضايا البحث العلمي، وحرية الطالب في البحث والانتقاد، ولن يكون ذلك “بغلظة تصل إلى سوء الأدب” كما قال الدكتور القصاص قبل سبعين عاما.

سأختار نموذجا واحدا هو القعيد الذي تفرّغ لمتابعة جولات عبدالفتاح السيسي، أغمض عيني وأضع إصبعي على مقال عشوائي يبلغ 800 كلمة من بين مقالاته في الأهرام، وأستبشر بعنوانه “الديمقراطية هي الحل”، في 21 مايو 2018، فأجده تقريرا عن مؤتمر حضره السيسي الذي ورد اسمه وصفته أكثر من 20 مرة: حضر الرئيس، قال الرئيس، أضاف الرئيس، اعترف الرئيس، خاطب الرئيس، حذّر الرئيس، تحدث الرئيس، أعلن الرئيس، طلب الرئيس، وفي النهاية “حلم الرئيس”. لغو غير مؤرق، ولا يختلف فيه “الكاتب” عن محام أو مذيع من آكلي لحوم المعارضة.

ولن يستنكر هؤلاء المعيّنون المرضيّ عنهم جريمة في صورة مسخرة، مجرد استنكار ولو لمجهولين اعتدوا على سياسيين ومثقفين في حفل إفطار رمضاني في النادي السويسري (5 يونيو 2018)، ولن يتأسى مجلس التنوير برواد الليبرالية وأستاذ الجيل لطفي السيد، ويعلنوا رفضهم لقرار رئيس جامعة قناة السويس سيد الشرقاوي عزل منى برنس أستاذة اللغة الإنكليزية بالجامعة بتهمة الرقص

.قبل “موقعة الرقص” مثلت منى برنس أمام لجنة تأديب برئاسة نائب رئيس الجامعة آنذاك سيد الشرقاوي الذي سألها “لماذا تتحدثين عن الشيخ محمد حسان؟”. وقضت فذلكة المرحلة أن يترقى نائب رئيس الجامعة ويكرمه الله بالرئاسة عندما وضعت الأستاذة مقطع فيديو في صفحتها الفيسبوكية، فرحة بنفسها منتشية بالرقص في بيتها، ولم تحث أحدا على تقليدها. سلوك شخصي لا يؤذي الأسوياء، ولا يمس وظيفتها، ولكن الجامعة قررت عزلها لأن سلوكها “يؤثر بشكل سلبي على مكانة الوظيفة كما أنها قد خرجت عن المحتوى العلمي لنصوص المواد المقررة”.

الرقص ليس في ساحة، وقد شاهده أسوياء فلم يسؤهم، كما شاهده مشوهون نفسيون تعمدوا التلصص على صفحتها الفيسبوكية، ولم يعثروا على دليل إدانة.

أستعيد واقعة عمر بن الخطاب مع مسلمين في ليلة أنس، فقد اقتحم بيتا، وضبط “متهمين” في حالة تلبس، فاحتج رب البيت على أمير المؤمنين قائلا: أتينا واحدة (الخمر)، وأتيت ثلاثا: قال الله “وأتوا البيوت من أبوابها، وأنت تسلقت السور، وقال “لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها”، وأنت لم تسلم، وقال “ولا تجسّسوا”، وأنت تجسّست. فانصرف عمر في صمت، وأرسيت قواعد الإجراءات الجنائية.

ولم يشعر رئيس جامعة قناة السويس وغيرها من الجامعات المصرية بالغيرة على الجامعات من التردي التعليمي، واستبداد أساتذة يتربحون ببيع مطبوعات رديئة، خالية من الذوق، اسمها الكتاب الجامعي، فالأسهل أن يرفعوا رايات النفاق الأخلاقي، فغاية الدين أن يحفوا شواربهم.

العربى

Related

Share

Rating

0 ( 0 reviews)

Post a Comment

Category
Author
More Options
  • Recent
  • Popular
  • Tag
Tags