أطفال داعش، كابوس الإنسانية - Articles
Latest Articles

أطفال داعش، كابوس الإنسانية

أطفال داعش، كابوس الإنسانية

" أطفال داعش" لقبٌ ثقيل يطارد أطفالاً عربًآ وأجانب، وربما سيبقى يطاردهم للسنوات المقبلة، ساعةَ يتخطون سن الطفولة. حتى دولهم الأصلية، أو مسقط رأس آبائهم وأمهاتهم لا ترغب بهم. إنها الحقيقة الصادمة، التي يرفض المجتمع الدولي مواجهتها.

حتى في عيد الطفل، الذي يحتفل به العالم الثلاثاء 20 نوفمبر، هؤلاء الأطفال يبقون خارج "الخط الأزرق" الذي رسمته يونسيف لإحياء عيد الطفل في كل مكان ومن أجل كل الأطفال، رافعةً شعار "بالأزرق، من أجل كلِّ طفل".

هناك صنفان من الأطفال في تنظيم داعش الإرهابي، أطفال "مقاتلي التنظيم" المولودين في سوريا والعراق وليبيا وأطفال اختطفهم التنظيم لتجنيدهم في صفوفه.

تصنيف ثان لأطفال داعش يتعلق بعنصر التسليح والتجنيد: أطفال لم يحملوا السلاح بعد لصغر سنهم، وآخرون تم تجنيدهم بل واستغلوا لتنفيذ إعدامات وعمليات انتحارية.

بعد طرد داعش من الموصل في العراق، في يوليو 2017، اكتشف العالم جانباً من معاناة أهل المدينة كباراً وصغاراً، كان أصعب أمر يواجه السلطات، كيفية انتزاع التطرف الذي غرسه التنظيم طيلة احتلاله المقاطعة من أذهان الأطفال.

في تقرير، صدر في مارس الماضي، تقول وكالة سبوتينك الروسية نقلاً عن المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق إن عدد أطفال داعش الأجانب في مراكز إيواء وزارة الشؤون الاجتماعية، بلغ 1127 طفلاً، 514 منهم سنهم دون 3 سنوات، و 460 طفلاً تتراوح أعمارهم بين 3 و9 سنوات. أغلب هؤلاء الأطفال فتيات وعددهن 94 طفلة، مقابل 59 طفلاً.

وزارة الشؤون الاجتماعية العراقية قالت آنذاك لوكالة سبوتينك إنها تتعامل مع أولئك الأطفال "كضحايا لتنظيم داعش” وتعمل على اجتثاث الفكر المتطرف من أذهانهم.

نظرة على جنسيات أولئك الأطفال تثبت كيف نجح التنظيم الإرهابي في التغلغل في مجتمعات شتى شرقاً وغرباً، فاستقطب مقاتلين من دول مختلفة.

يحمل الأطفال في ذلك المركز جنسيات تركية وأذربيجانية وروسية وطاجكستانية وقيرغستانية وأوزبكستانية ومغربية وأوكرانية وإيرانية وجزائرية وألمانية وفرنسية ومن دول أمريكا الجنوبية كذلك.

غير أن أطفال داعش ليسوا فقط في ذلك المركز، ولا تعرف السلطات في العراق ولا في سوريا عددهم الحقيقي.

راهن التنظيم الإرهابي منذ بداية ظهوره على استغلال الأطفال في صفوفه، واستخدمهم في بروباغندا الرعب التي كان يحاول بثها عبر العالم للاستدلال على بطشه ووحشيته. بدأ التنظيم بنشر مصطلح "أشبال البغدادي" أو "أشبال داعش" للترويج لفكرة اعتماده على الأطفال في إعدام ضحاياه، بالذبح أو رمياً بالرصاص.

رغم هزيمته في الموصل، ما زال التنظيم يعمل على تجنيد الأطفال في مخيمات اللجوء، مستغلاً حاجتهم للأكل واللباس، مثلما يحذر الناشط في دير الزور السورية جميل العبد في حوار لموقع ديارنا الأطفال باتوا لا فقط وسيلة التنظيم لتنفيذ هجماته بعد دحره في عدة مناطق، بل صمام أمانه، في وجه التلاشي.
ينبه الناشط العبد من أن داعش "يعد هؤلاء الأطفال لتنفيذ هجمات انتحارية داخل سوريا وخارجها أو يرسلهم في مهام استطلاعية لجمع المعلومات".

أطفال انتحاريون

أطفال انتحاريون دربتهم داعش، كان عنوان تحقيق فرنسي أنجزته صحيفة لوموند الفرنسية في يونيو الماضي، يؤكد أن داعش دربت أطفالاً لتنفيذ هجمات انتحارية في دول أوروبية من بينها فرنسا، بناء على اعترافات مقاتل فرنسي في داعش يدعى جوناتان جيفري، الذي ألقى الجيش الحر القبض عليه بداية عام 2017.
مشروع تجنيد الأطفال لتنفيذ عمليات انتحارية كان يندرج ضمن مشروع "أشبال داعش"، لكنه مرحلة متقدمة من العمل الإرهابي ومن الاستغلال الخطير للأطفال الذين ترعرعوا في سوريا. أشرف على هذا المخطط الأخوان الفرنسيان ميشيل وفابيان كلين، المسؤولان عن البروباغندا في التنظيم.

جمعُ شهادات الأطفال المجندين في صفوف داعش، مثّلَ مادةً دسمة للتحقيقات الصحفية في وسائل الإعلام العربية والدولية. وكمُّ الشهادات الكبير يعطي صورة جزئية فقط عن حقيقة مخطط داعش لاستغلال الأطفال في عملياته.

تحقيق صادم نشرته لوفيغارو الفرنسية في مارس 2018 بمركز إيواء في إربيل في كردستان العراق لمراهقين قاتلوا في صفوف داعش، كان أنموذجا عما فعله داعش بالأطفال. كانوا خمسين مراهقاً، يصف الصحافيان الذان أجريا التحقيق كم "كان مزاجهم سيئاً" و كيف هتفوا "كلنا داعش" أمام الصحفيين وهم يضحكون في ملعب مسيج.

"خلف المظهر البريء لتلك الوجوه الفتية، هناك نظرات تكشف أرواحاً معطوبة" يقول التحقيق.

أرواحٌ معطوبة في أجساد صغيرة، هكذا تبدو صورة الأطفال في صفوف داعش، وصف دقيق. لكن كيف تتعامل الحكومات مع هؤلاء الأطفال المنحدرين من آباء وأمهات قدموا من بلاد شتى؟

أعلنت السفارة الروسية في العراق أنها تعمل على تسهيل إعادة أطفال الروسيات المعتقلات في العراق بتهمة الانضمام إلى تنظيم "داعش" الإرهابي.

آخر التطورات في هذا الشأن جاءت من موسكو قبل أيام قليلة، إذ نفت الخارجية الروسية الجمعة 16نوفمبر، ما تناقلته وسائل الإعلام من أنباء حول قيام السلطات العراقية بمطالبة روسيا بأموال مقابل إعادة أطفال داعش من أمهات روسيات معتقلات في العراق إلى وطنهم.

سفارة روسيا قالت في بيان القنصل، ألكسندر تروخين نقلته سبوتينك إن "سفارة روسيا في العراق تواصل جهودها بكافة الاتجاهات من أجل تسهيل عملية إعادة الأطفال الروس إلى وطنهم، والذين تقبع أمهاتهم في سجون النساء العراقية بتهمة المشاركة بأنشطة داعش".

في السياق ذاته، نقلت الميادين اللبنانية عن مصادر روسية أن موسكو تسعى لإخراج 60 طفلاً من أصل روسي من العراق إلى روسيا بعد استصدار الوثائق المطلوبة. وقالت القناة في موقعها على الإنترنت "هؤلاء الأطفال لآباء من أصول روسية انضموا إلى تنظيم داعش لكنهم تخلّوا عنهم بعد معركة تحرير الموصل العراقية".

تخلوا عنهم

غير أن تحرك روسيا لاستعادة أبناء روسيات قاتلن في داعش أو تزوجن مقاتلين في داعش وهن الآن معتقلات في العراق، يبدو خطوة جريئة لاحتضان أطفال كل ذنبهم أنهم ولدوا من أب داعشي أو أم داعشية، لكن دولاً أخرى لم تجرؤ على ذلك، بل تخلت عن أبناء مواطناتها الداعشيات. في تونس على سبيل المثال، بقيت الحكومة لسنوات تتجاهل النداءات الحقوقية للتحرك من أجل تحرير أطفال تونسيين منحدرين من مقاتلين دواعش في ليبيا، لبحث إمكانية عودتهم إلى تونس أو تحديد مصيرهم بالتفاوض مع الجهات الليبية. وبعد سنوات من التجاهل، تحركت السلطات التونسية في أغسطس الماضي بالتنقل إلى ليبيا لزيارة الأطفال الموجودين في مراكز وسجون ليبية.

ترجح تونس وجود 44 طفلاً تونسياً عالقين في ليبيا وفق أرقام تقريبية قدمتها اللجنة البرلمانية التونسية التي زارت ليبيا عام2017.

وشرعت الخارجية التونسية في أغسطس بالتنسيق مع الجانب الليبي لاستصدار تراخيص من النيابة العامة الليبية لتمكين فرق فنية وعلمية تونسية من زيارة الأطفال من أبناء قتلى عناصر "داعش" المودعين بالسجون ومراكز الإيواء.

في المقابل، ترجح أوساط حقوقية أوروبية وجود 650 طفلاً أوروبياً من بينهم الكثير من الرضع محتجزين لدى فصائل كردية مسلحة تدعمها الولايات المتحدة في ثلاثة مخيمات.

في تقرير لها عن أطفال داعش المولودين من أمهات أوروبيات في سوريا، قالت قناة يورونيوز في يناير الماضي: "لا يرغب الأكراد الذين يتولون حراسة الأطفال المعتقلين في بقائهم كما أنهم يسببون صداعا للمسؤولين في أوروبا".

لم يعيشوا طفولة عادية، حُرموا من بيئة سليمة يكبر فيها الطفل العادي. أطفالٌ أجبرهم آباؤهم المقاتلون في داعش عدة مرات على حضور عمليات إعدام جماعية في الساحات العامة، في مسارح، أو في أسواق. آخرون أجبرهم آباؤهم أو من اختطفهم على قطع رقبة رهينة أوإطلاق الرصاص على من قبض عليهم التنظيم وقرر تصفيتهم بأيدي أطفال.

هؤلاء يكبرون بعيداً عن رياض الأطفال ومدارس الأطفال ولعب الأطفال. حكومات قليلة تريد استعادتهم لتأطيرهم وعلاجهم، أما البقية فتؤجل البتَّ في شأنهم، متناسية أنهم كلما كبروا أكثر بات علاجهم أصعب.

لا خطَّ أزرقَ لأطفال داعش يحتضنهم في عيد الطفل العالمي، بل خطٌ أحمر عريض وُضع أسفل اسم كلِّ واحد منهم.

رصيف 22

Related

Share

Rating

0 ( 0 reviews)

Post a Comment

Category
Author
More Options
  • Recent
  • Popular
  • Tag
Tags