ثورة إسلامية بريشة دعائية - Articles
Latest Articles

ثورة إسلامية بريشة دعائية

ثورة إسلامية بريشة دعائية

تعتم الصور النمطية الغربية والدعاية الإيرانية بقدر متساو صورة كفاح كبير من أجل الحرية بدأ قبل اربعين عاماً في إيران. هذه المواقف يحكمها أيضا هذا التناقض بين أجيال الثورة الإيرانية آنذاك والشباب الإيراني اليوم. شارلوته فيديمان في محاولة لتوضيح بعض معالم هذه الصورة.

​​ ما زال من الصعب على المؤرخين وعلماء الاجتماع أن يوضحوا حقيقة ما حدث في إيران في عامي 1978 و1979. فخلال أشهر قليلة أسقطت حركة غير مسلحة في غالبها نظاماً كان يقود أحد أفضل الجيوش تسليحاً في العالم. كانت تلك، كما قال عالم الاجتماع الأمريكي تشارلز كورزمان، "الثورة غير المفهومة" وتكمن أسبابها بعد ذلك أيضاً في نموذج تفسيري واضح، سواء كان علمياً أو اجتماعياً أو دينياً.

لكن يبقى من المؤكد أن الثورة الإيرانية الإسلامية كانت أقل دموية من الثورتين الفرنسية والروسية، إضافة إلى شعبيتها الأوسع. فقد جعلتها درجة المشاركة الفاعلة بين سكان إيران، الذي بلغ تعداده آنذاك 35 مليون نسمة، ثورة شعبية بالمعنى الحقيقي، كما جعلت منها أحد المنعطفات الكبيرة في تاريخ العالم.

وما زال بالإمكان معرفة تنوع المعارضة المناوئة للشاه في الصور القديمة بلونيها الأبيض والأسود الحقيقيين: شباب يرتدون سترات بيضاء من نوع داندي، وشابات من دون حجاب وشعورهن مصففة بآخر صيحات الموضة. وفيما بعد خيمت ظلال آية الله الخميني الجبارة على كل شيء. وبقي للأجيال اللاحقة صورة خاطئة وغير صحيحة وغير عادلة أيضاً لصراع كبير من أجل الحرية.

ومن المدهش أن ينطبق هذا الأمر على الغرب كما ينطبق على الإيرانيين نفسهم. فعلى الجانبين ضاق ويضيق الخناق على هذا الصراع من أجل الحرية ليقتصر على الحركة الدينية فقط، ومن ثم تحجيم الدوافع الدينية وجعلها تقتصر على مراحل قليلة. وهكذا تقاربت صورتان دعائيتان من بعضهما بعضا بشكل مثير للدهشة، حتى إن كانتا مستندتين إلى دوافع مختلفة تماماً.

هوة بين الأجيال

في البدء يجب التطرق إلى الوعي التاريخي في إيران: فهناك هوة تزداد اتساعاً بين الأجيال في البلد. منذ الثورة تضاعف عدد سكان إيران، إذ يشكل اليوم الشباب الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً 70 المائة من عدد السكان.

بعد 30 عاما على الثورة هناك فجوة واسعة بين الجيل القديم والشباب في نظرتهم لها

​​ وفي هذه الأغلبية الشابة الكبيرة يوجد الكثيرون من الذين لا يفهمون ما ينال إعجاب آبائهم. وعلى الرغم من رغبة الحكومة في جلب انتباه الشباب هذه الأيام في الاحتفال بذكرى مرور ثلاثين عاماً على الثورة من خلال تقنية البلوتوث، فإن القليل منهم يشارك في الاحتفالات بنية خالصة.

وعلى عكس ذلك يقول الكثير من الإيرانيين الأكبر سناً إن أشهر الثورة كانت أجمل الأوقات في حياتهم. ويروون عن نشوة الحرية والأمل، التي كانت تعتري كل شخص: "أنا ذاهب للتظاهر، فقد ذهب الجميع. أضربت، فقد أضرب الجميع". حتى الهروب من أداء الخدمة العسكرية كان ظاهرة متفشية، ومن أجل أن يتمكن الهاربون حليقي الرؤوس طبقاً للزي العسكري من الاختفاء بسهولة، حلق الكثير من الشباب المدنيين رؤوسهم تضامناً.

ثوريون متوحدون

ويشعر اليوم الثوريون القدامى بالعزلة مع ذكرياتهم. فقد ضاعت سيرة حياتهم بعد أن تمت تهميشهم مرتين، المرة الأولى من خلال معايشتهم الحقيقية للجمهورية الإسلامية، التي لم يرغب أحد في أن تكون بشكلها الحالي، لكن جيل الثورة ساعد في ولادتها. أما الثانية فهو الاتهام المستمر بعيون أطفالهم.

ومن المدهش أن هؤلاء الأطفال لا يعرفون سوى القليل عن دوافع آبائهم، إذ لا يُعنى في إيران بـ"التاريخ المتداول شفاهاً". أما في المدرسة فيتم حفظ الأسماء والمعطيات المتعلقة بالثورة عن ظهر قلب، لكنها لا تخلف سوى صورة نمطية: تم إسقاط الشاه، لأن الجميع أرادوا الإسلام.

ولا يتمكن الشباب، الذين سئموا من الشعارات، من أن يروا أن آبائهم وعماتهم وأعمامهم كانوا أبطالاً صغارا لبضعة أيام من حياتهم. وفي نقاشهم الخاص مع زملائهم من الطلبة يقول نصفهم إن مستوى حياة آبائهم، وشبابهم في حقبة حكم الشاه على وجه الخصوص، كان أفضل بكثير من مستوى حياة هؤلاء الطلبة اليوم.

وحين يطرح التلاميذ الإيرانيون أسئلة نقدية لمعلميهم، يتهرب هؤلاء المعلمون ويتحدثون عن الحرب، عن حرب دامت ثمانية أعوام بدأت في أيلول/ سبتمبر 1980 وكانت خسائرها فظيعة، حين هاجم صدام حسين إيران بتشجيع من الغرب ومجهزاً بالأسلحة الغربية.

وفي النهاية حزنت كلتا الدولتين على قرابة نصف مليون من القتلى. وصورة الجمهورية الإسلامية وأيدلوجيتها ورمزيتها مرتبطة بهذه الحرب ارتباطاً وثيقاً. إن الثورة تعني الاحتجاج، أما الحرب فتعني الطاعة. وفي الذاكرة الوطنية الرسمية لا يُحتفل بالحرية والانتفاض وتنوع الحركات الثورية. وجمال الثورة عاش في الذاكرة الخاصة فقط، كما لو كانت تعيش في منفى داخلي.

الجيل المتشكك

الحرب بين العراق وإيران شكلت رافعة للتغطية على كثير من أخطاء الثوريين الأوائل في إيران

​​ في الكثير من البلدان تميز الصراعات بين الأجيال الانتقال إلى تطور اجتماعي. أما الهوة بين الجيل القديم وجيل الشباب في إيران فيشير على نقيض ذلك إلى غياب أيدلوجي يبعث على الخوف فحسب. فالشباب ينظرون إلى الكبار في السن كجيل من العاجزين و"الفاشلين".

ويمكن أن يعيش المرء في الجلسات العائلية عدم دفاع الكبار في السن عن أنفسهم أمام اتهامات الشباب؛ فهم يصمتون مستسلمين. وفي هذا المجتمع الفاقد للآباء (والأمهات) نشأ جيل متشكك بشكل عميق. ويلمس المرء لدى بعض الشباب عجزاً يهزهم بعمق، حين يتصوروا إمكانية تغيير ايجابي في إيران مبني على تصرفهم الخاص.

بدأ في الغرب عام 1979، بعد لحظة عابرة من الانبهار، خوف من الإسلام في الوقت الراهن. وبدا شكل الخميني كما لو كان قد خلق من أجل هذا الغرض؛ ففي جلسات المعارف المألوفة أصبحت كلمة "آية الله" مرادفاً لمخبول من النوع الخطير.
وبالنسبة لوسائل الإعلام الغربية ما تزال تتراجع الثورة حتى اليوم لتقتصر على قوة الخميني الإيحائية: فالإسلام السياسي لا يمكن تخيله إلا كعبادة للأشخاص، والناس كأتباع متطرفين. وبذلك نشأ في التغطية الإعلامية عام 1979 مبدأ مازال فعالاً حتى اليوم: تجاهل المسلمين كمواطنين وكشخصية مفكرة فعالة.

علي شريعتي- طوباوي متلون

إن سأل المرء الثوريين القدامى عمن ألهمهم آنذاك، فيتردد دائماً هذا الاسم: علي شريعتي، وهو عالم اجتماع إيراني شاب، حصل على الدكتوراه في جامعة السوربون، كما أنه طوباوي متلون وكان يتمتع بشعبية كبيرة.

كان فحوى رسالته، التي كسبت صفوفاً دراسية بأكملها إلى الإسلام: فلنبعد العفن عن الثياب الشيعية! ولينتهي الخضوع الديني. إن الخلاص لا يأتي من خلال جلد الذات المقدس، بل من خلال الكفاح والنقد والتنوير. روج شريعتي لـ"دين الاحتجاج"، وهو "إسلام عادل ومليء بالطاقات ومؤيد للحياة".

ويبدو وقع هذا اليوم أكثر ألفة منه في السابق. فقد كان شريعتي رائداً أنتبه إلى ما كان يتناقل بين الناس: الحاجة إلى الهوية، إلى الإسلام، الذي ينتفض على الجبابرة المحليين أو الهيمنة الغربية على حد سواء. واليوم تدور في الكثير من البلدان الإسلامية حركات حول هذا المحور المزدوج.

ثورة وعدت بالكثير ولكن بين الأحلام والوعود سنوات ضوئية...

​​ كان عام 1979 عام عبارة "نعم، نحن قادرون!" الإسلامية فقد أسقطت ثورة شعبية مستلهمة للإسلام حاكم يلبي مصالح الغرب. وكانت اليقظة الإسلامية العالمية قد بدأت قبل هذا، لكن صور الدبلوماسيين الأمريكيين الذي احتجزوا كرهائن أحدثت تأثيراً، لا يمكن تصوره اليوم تقريباً، في ضوء أمريكا أضعف بشكل غير متساو.

لكن شعار الثورة كان "لا شرقية لا غربية!"، وبالفعل بدأت في الظهور عام 1979 معالم عالم جديد، عالم متعدد الأقطاب. إن خشية الغرب من انتشار كبير للثورات الإسلامية كان مبالغاً فيه بشكل كبير، لكنه أنطوى على جوهر عقلاني: الخوف المشروع من فقدان الأهمية الخاصة التي لا يمكن تجنبها تاريخياً.

ونتج عن ذلك معاداة للعزلة في الداخل المتأتية بفعل تأثير خارجي، فالسياسة الغربية طالما قوت النظام في طهران بشكل غير مرغوب فيه. فقد نتج عن ذلك لدى الإيرانيين، الذين لديهم تاريخ طويل من الحساسية من الاستعمار، شعور من أن ذلك كان مختلفاً تماماً قبل الثورة: فالقوى الغريبة تستبيح لنفسها الحق في تعريف السلطة وكل ما هو إيراني.

وفي النهاية بقيت الثورة الإسلامية حدثاً فريداً من نوعه، وظاهرة وطنية، وأكثر إيرانية مما كان يُعتقد في البدء ولا تشكل نموذجاً للتقليد لدى الشيعة الآخرين. إن الجمهورية الإسلامية لم تلب الأمنية المتعلقة بالعدالة الاجتماعية. ولكنها على الرغم من ذلك بقيت تسقط المطالب بالعدالة لدى ملايين المسلمين في أنحاء العالم على الإسلام، وكذلك البحث عن حداثة بديلة وغير غربية. ولا يفهم الكثير في الغرب، كيف أنهم ما زالوا حتى اليوم لا يفهمون الثورة الإيرانية.

شارلوته فيديمان
ترجمة: عماد م. غانم

قنطرة

Related

Share

Rating

0 ( 0 reviews)

Post a Comment

Category
Author
More Options
  • Recent
  • Popular
  • Tag
Tags