علاء الأسواني: احترس..أمامك معركة مغشوشة بين الطيب والخشت - Articles
Latest Articles

علاء الأسواني: احترس..أمامك معركة مغشوشة بين الطيب والخشت

علاء الأسواني: احترس..أمامك معركة مغشوشة بين الطيب والخشت

حكم محمد علي مصر أكثر من أربعين عاما ( 1805- 1848 ) فأقام الدولة الحديثة لكنه تعسف في سن الضرائب على الفلاحين لدرجة أن كثيرين منهم كانوا يهربون من قراهم وذات مرة سن محمد علي ضريبة جديدة اسمها.

"الفردة" تدفع عن كل شخص في الأسرة. ثار الفلاحون ضد هذه الضريبة. عندئذ كلف محمد على ابنه ابراهيم باشا بالتفاوض مع الفلاحين الثائرين في المنصورة. كان ابراهيم باشا قائدا عسكريا عظيما لكنه اشتهر بغرابة الأطوار والشراسة. اصطحب ابراهيم باشا معه المعلم غالي وزير المالية( القبطي) وذهبا إلى لقاء الفلاحين الذين ما أن رأوهما حتى ضجوا بالشكوى من ضريبة الفردة التي جعلت حياتهم مستحيلة. ظل ابراهيم يستمع إلى شكاوى الفلاحين ثم سألهم:

- هل تظنون أن مولانا (محمد علي) يريد بكم شرا؟

صاح الفلاحون بحماس

- كلا ياباشا. مستحيل أن يقصد مولانا بنا شرا أو أذى

عندئذ صاح ابراهيم                              

- هل تعلمون أن مولانا لا يعرف شيئا عن هذه الضريبة.

بدت الحيرة على وجوه الفلاحين وهنا نظر  ابراهيم باشا إلى المعلم غالي الجالس بجواره وصاح:

- الذي قرر هذه الضريبة الظالمة هو هذا الكافر الخائن.

ثم أخرج مسدسه وأطلق النار على المعلم غالي فأرداه قتيلا على الفور. حدث هرج ومرج وهرب الفلاحون من المكان وظلوا بعد ذلك يتحدثون طويلا عن الضرائب المجحفة التي يفرضها (المرحوم )غالي ويعزون ذلك إلى انه قبطي يكره المسلمين. لم يكن ذلك صحيحا بالطبع اذ أن محمد علي هو الذي كان يفرض الضرائب. الغريب أن ضريبة الفردة لم يتم الغاؤها وقد أذعن الفلاحون ودفعوها.   

هذه الواقعة تقدم أسلوبا معروفا يستعمله الطاغية للسيطرة على الجماهير اذ يقدم إليهم معركة مفتعلة حتى يندمجوا فيها وينسوا المشكلة الحقيقية. الأسبوع الماضي عقدت جامعة الأزهر مؤتمرا  لتجديد الفكر الديني ودعت إليه الدكتور محمد الخشت رئيس جامعة القاهرة .. المؤكد اننا نحتاج إلى فقه اسلامي جديد لأن الفقه المكتوب منذ قرون لم يعد يناسب عصرنا والمؤكد أن تنقية الأحاديث النبوية ضرورة لأن الكثير منها ملفق وغير منطقي.. يذكر أيضا أن شيخ الأزهر ورئيس جامعة القاهرة من رجال النظام وهما لم يحصلا على منصبيهما الا بعد موافقة الجهات الأمنية جميعا. أحمد الطيب عينه حسني مبارك شيخا للأزهر ثم انضم إلى لجنة السياسات التي كانت تمهد لتوريث السلطة إلى جمال مبارك وقد قال الطيب عندئذ:

- "ان الحزب الوطني والأزهر مثل الشمس والقمر متلازمان"، وعندما قامت ثورة يناير رفضها الشيخ الطيب وظهر في التليفزيون ليؤكد أن التظاهر ضد الشرع والدين، ويدين شباب الثورة الذين كانوا آنذاك يستشهدون في ميادين مصر برصاص الشرطة.

أما محمد الخشت رئيس جامعة القاهرة فحدث ولاحرج لأنه من كبار المداحين للرئيس السيسي وقد تخلى عن احترام منصبه في مشهد مؤسف عندما ألغى المصروفات المتأخرة عن طلاب جامعة القاهرة ومنحهم درجات اضافية كرشوة انتخابية حتى يصوتوا بنعم على التعديلات الدستورية التي جعلت من السيسي حاكما مدى الحياة. ليس في تاريخ الرجلين اذن أي موقف ثوري من أي نوع وهما بطبيعة منصبيهما يتحركان في اطار التعليمات الأمنية التي يقررها النظام. ألقى الخشت كلمة عن تجديد الفكر الديني (وهو موضوع المؤتمر) وقد ألف في ذلك كتابا أهدى نسخة منه إلى الشيخ الطيب الذي تكلم فانهال على الخشت توبيخا واستهزاء وسخرية وأعلن انه لن يقرأ  كتابه.

حدث كل ذلك وسط تصفيق وتهليل الأزهريين الذين يعتقدون أن مناصرة شيخ الأزهر واجبا دينيا. الغريب أن الشيخ الطيب رفض تجديد الفكر الديني (مع انه عنوان المؤتمر)، وأعلن ان التراث الاسلامي عظيم وكامل الأوصاف فليس بالامكان أبدع مما كان، وكل من يطالب بتجديد الفكر الديني انما يشترك في مؤامرة خبيثة ضد الاسلام والمسلمين، ثم قال الطيب كلمتين بسرعة ضد صفقة القرن .

ما ان انتشرت مداخلة الشيخ الطيب على مواقع التواصل الاجتماعي حتى نشبت معركة حامية الوطيس بين الإسلاميين الذين رأوا في الشيخ الطيب رجلا عظيما وبطلا صنديدا يذود عن حياض الإسلام والليبراليين الذين يرون تصرف الشيخ الطيب متعاليا وغير لائق اذ انه لم يحترم ضيفه الخشت وسخر منه وقال له: "التجديد هذا تعمله في بيت أبيك" وهذه لغة لاتليق بعلماء. أضف إلى ذلك أن الشيخ الطيب قال خطابا  إسلاميا رجعيا منغلقا يؤكد حاجتنا فعلا لتجديد فهمنا للدين.

انهمك المصريون تماما في هذه المعركة العجيبة ولازالوا يتحدثون عنها حتى اليوم. هكذا ارتكبنا نفس الخطأ الذي ارتكبه الفلاحون الثائرون ضد محمد علي منذ مائة عام. ان مشكلتنا ليست خناقة الشيخ الطيب مع الدكتور الخشت. مشكلتنا وجود 60 ألف معتقل يتعرضون للتعذيب والاهمال الطبي الذي قتل منهم كثيرين. مشكلتنا أن ينفرد شخص واحد بحكم البلد فيقرر مصير ملايين المصريين بارادته المنفردة بدون أدنى مراجعة أو محاسبة. مشكلتنا ديون بالمليارات أوقعنا فيها السيسي لينفذ مشروعات معظمها بدون دراسات جدوى وكثير منها لا يلبي احتياجات المصريين الأساسية وانما يستهدف المجد الشخصي للدكتاتور . مشكلاتنا الفقر والجهل والمرض.. مشكلتنا اننا لا نملك الارادة في وطننا فاذا قرر الديكتاتور أمرا وجبت علينا الطاعة والا تم القاؤنا في السجون. هذه مشاكلنا الحقيقية وغير ذلك معارك مغشوشة يصطنعها النظام بغرض  التشويش والهاء الرأي العام.   

الديمقراطية هي الحل

دي دبليو

Related

Share

Rating

0 ( 0 reviews)

Post a Comment

Category
Author
More Options
  • Recent
  • Popular
  • Tag
Tags