الكَرَاهِيَّةُ والحُبُّ - Articles
Latest Articles

الكَرَاهِيَّةُ والحُبُّ

الكَرَاهِيَّةُ والحُبُّ

د. أشرف ناجح عبد الملاك:

ما هي الكراهيّة التي يشعر بها الإنسانُ؟! وما هو الحُبُّ الذي يُعَمِّر قلبه؟! هل هما إلهان يتصارعان معًا منذ زمان بعيد غابر، والبشر أمامهما منقسمون؟! فيختار بعضهم "إله الكراهيّة"، فيتجنّدون له، ويملأون قلوبهم به، ويعيشون له، ويموتون بسببه! في حين أنَّ البعض الآخر مِن البشر يختار "إله الحُبِّ"، فيتكرّسون له، ويحيونه له، ويموتون بسببه أيضًا، فالحُبُّ يُميت؟ إنَّ الكراهيّة والحُبّ اللّذَيْن يسكنان قلب الإنسان لم يكونا يومًا– ولن يكونا أبدًا– إلهَيْن، وإنّما نحن البشر الّذين نُؤلِّهما؛ فنحن– وآسفاه– قد تعلَّمنا كيف نصنع بأيادينا الآلهة التي نرغب في عبادتها! أجل، «اللّه مَحبَّة» (1 يو 4/8، 16)؛ ولكنَّ الحُبّ الذي يغمر قلب الإنسان ليس بإله وربّ وسيّد، إلَّا إذا كان هذا الحُبّ هو الله ذاته. وإنَّما الحقيقة هي أنَّ الكراهيّة والحُبّ البشريَّيْن في عمقهما هما رغبتان: فالكراهيّة هي الرغبة في "امتلاك الحياة"، وإنكار حقيقة الموت عمليًّا؛ أمَّا الحُبّ فهو الرغبة في "قبول الموت طوعًا". فهما إذًا رغبتان مختلفتان ومتعارضتان؛ فالرغبات منها ما هو خيّر ومنها ما هو شرير، ومنها ما هو مُقدّس ومنها ما هو مُدّنس.

إنَّ الرغبة الأولى التي تُدعَى "الكراهيّة" ما هي إلَّا الرغبة في "امتلاك الحياة" بطريقة أنانيّة نرجسيّة؛ فهذا هو طبيعة الكراهيّة. فالحياة لم تكن يومًا– ولن تكون أبدًا– ملكًا خاصًّا لنا، فهي قد وُهبت لنا مِن لَدُن الله المُعطِي بسخاء، ونحن نتقبّلها مِن يديه شاكرين. «وإذا كنّا مفتونين بالحياة، فهذا لأنّها تبدو لنا أعظم عطايا الله» ("فيدور دوستويفسكي"). ولكن– وآسفاه– بعض البشر تتملّكهم رغبة في "امتلاك الحياة" بقواهم الذّاتيّة، وبطرقهم الخاصّة، بعيدًا عن الله وتدبيره الخلاصيّ، ممّا ينجم عنه الأنانيّة والبخل والقتل والسرقة والاغتصاب لما هو ليس ملكنا. فهذا كلّه ليس إلَّا الرغبة في "امتلاك الحياة" بطريقة خاطئة. فعندما نرغب في أنّ الحياة تكون لنا، ولنا وحدنا، عندئذ سنرغب في امتلاك كلّ شيء، وكلّ شخص؛ فنبدأ في العيش لأنفسنا فقط. وعندها نناهض ونُعَادِي كلَّ مَن حولنا لِئَلَّا يمتلكوا هم الحياة، وليس نحن؛ فنتصارع معًا، ونتعلَّم القتل والذبح والسرقة والنهب... ألم تكن الكراهيّة خطيئة قائين؟ أفتذكرون ماذا فعل بأخيه (تك 4/1-16)؟! إنَّ الكراهيّة– في عبارة واحدة– ما هي إلّا الرغبة في الوجود الدّائم بشكل أنانيّ ونرجسيّ، أي الرغبة في الخلود الدائم على الأرض بطريقة خاطئة!

أمَّا الحُبُّ فهو على العكس تمامًّا مِن هذا كلّه، فهو بالتحديد "قبول الموت طوعًا" لكي يحيا الآخر؛ أو بكلمات أفضل، هو بالأحرى قبول حُبّ الله في أعماقنا، فهو حُبٌّ يجعلنا مستعدّين للتضحيّة بحياتنا في سبيل النّمُو في علاقتنا بالله وبالآخرين. فحياة مَن يحبّ حقًّا هي موت يوميّ سِرّيّ، لأنّ مَن يحبّ يقبل الموت يوميًّا مِن أجل مَن يحبه. ففي الواقع، اليوم الّذي قرَّر فيه أنْ يُحبَّ هو اليوم عينه الّذي بدأت فيه مسيرة الموت. والموت هنا ليس بالضرورة موت الجسد... فتأمّلوا أُمًّا تحبّ أولادها! ماذا تفعل؟ أو بالأحرى، ماذا لا تفعل لأجلهم؟ هل تتذمّر مِن عملها اليوميّ المُضْنِي مِن أجل حياة أولادها؟ أو تأمّلوا كاهنًا أحبّ خدمته، وكرّس حياته مِن أجل رعيته! إنّه لا يعتبر شعب رعيته مجموعة أفراد يعمل في شركتهم، أو يعملون هم في شركته؛ وإنَّما هم أبناؤه الأعزّاء على قلبه! لقد كتب القدّيس بولس هذه الكلمات المُعبِّرة لأهل كنيسة تسالونيقي، شارحًا لهم حبّه الكبير: «مع أَنَّه كانَ مِن حَقِّنا أَن نَفرِضَ أَنفُسَنا لأَنَّنا رُسُلُ المسيح. لكِن لَطَفْنا بِكُم كما تَحتَضِنُ المُرضِعُ أَولادَهما. وبَلَغَ مِنَّا الحُنُوُّ علَيكم أَنَّنا وَدِدْنا لو نَجودُ علَيكم، لا بِبِشارةِ اللّهِ فَقَط، بل بِأَنفُسِنا أَيضًا، لأَنَّكم أَصبَحتُم أَحِبَّاءَ إِلَينا» (1 تس 2/7-8). إنَّ هذا لهو الحُبُّ في أنبل معانيه الإلهيّة-البشريّة؛ إنّه الرغبة في "الموت" مِن أجل حياة مَن نُحبّ.

والموت هنا هو موتٌ عن الذّات الأنانيّة السّاعية للتمَلُّك والسَّيْطَرَة، والقبول بأنْ نفقد أشخاصًا وأشياء ثمينة يوميًّا، بل وذواتنا أيضًا، مِن أجل حُبّ الله والبشر– الذين هم أبناؤه وإخوتناإنّ الحُبّ هو "قبول الموت طوعًا"، ممّا قد يشمل أيضًا على "الموت الجسديّ" الذّي يُهدِّد حياتنا اليوميّة. فقبول الموت يعني قبول التَّخلّي عن "الحياة"، أو بالأحرى التَّخلّي عن "امتلاك الحياة". فالحياة هي هِبة مجانيّة مِن لَدُن الله، وعلينا أنْ نأخذها منه بشكرٍ وفرحٍ، ونعيدها له بالطريقة التي يريدها هو. فيا لَيْتَنا نأخذ على عاتقنا مسؤولياتنا كمخلوقات محبوبة أُعطيتْ لنا الحياة لكي ننمو في الحياة، وتنمو هي فينا؛ ونعيش أمانة اللّحظة الحاضرة متقبّلين "الموت المقدّس" طوعًا. ولَيْتَنا نقبل الصعاب والمصائب والخسائر بجملتها في حياتنا، ونرضى قانعين بشَتَّى أنواع الوَدَاع والتنازلات والإهانات. فبالحقيقة، هذا هو الحُبّ في أعمق تعبيراته، أي قبول خبرة الموت في حياتنا اليوميّة، حيث إنّ الموت الأصيل هو مسيرة، وليس مجرّد نقطة في نهاية مطاف حياتنا! أجل، «سيكون وقتًا ضائعًا ذلك الوقت كلُّه الذي لم نحيا فيه آخذين على عاتقنا وضعنا كبشر مِن أجل أنْ نكتسب خبرات، ونتعلِّم، ونخلق، ونستمتع، ونتألّم. فالوقت الضائع هو وقت فراغ، أجوف» ("ديتريش بونهوفر").

فهل يمكن لكلّ مِنَّا أنْ يهتف مع القدّيس بولس «فما أَنا أَحْيا بَعدَ ذلِك، بلِ المسيحُ يَحْيا فِيَّ. وإِذا كُنتُ أَحْيا الآنَ حَياةً بَشَرِيَّة، فإِنِّي أَحْياها في الإِيمانِ بِابنِ اللهِ الَّذي أَحبَّني وجادَ بِنَفْسِه مِن أَجْلي» (غل 2/20)؟ وهل فينا مَن يعيش بموجب هذا الشّعار: «لا بُدَّ له [للمسيح] مِن أَن يَكبُر. ولا بُدَّ لي مِن أن أَصغُر» (يو 3/30)؟ فمَغْبوطٌ إذًا الإنسان الذي يحيا على هذا المنوال، فهو يختبر قيامة الرّبّ في حياته اليوميّة. إنَّ الحُبَّ الحقيقيّ يُضحّي باستمرار مِن أجل الآخر، «فإنَّ الحبَّ قويٌّ كالموت والهوى قاس كمثوى الأموات» (نش 8/6)! ولنتذكَّر أيضًا كلام السّيّد المسيح: «الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: إنَّ حَبَّةَ الحِنطَةِ الَّتي تَقَعُ في الأَرض إِن لَم تَمُتْ تَبقَ وَحدَها. وإذا ماتَت، أَخرَجَت ثَمَراً كثيراً. مَن أَحَبَّ حياتَهُ [الكراهيّة]  فقَدَها ومَن رَغِبَ عنها في هذا العالَم [الحُبّ] حَفِظَها لِلحَياةِ الأَبَدِيَّة» (يو 12/24-25).

ابونا

Related

Share

Rating

0 ( 0 reviews)

Post a Comment

Category
Author
More Options
  • Recent
  • Popular
  • Tag
Tags