مذكرات كافر مغربي - Articles
Latest Articles

مذكرات كافر مغربي

مذكرات كافر مغربي

كمال الرياحي:

 

تمثل اليوميات ومذكرات التحول العقدي واحدة من فروع هذين الفنّين في الآداب العالمية، لكنها لا تحظى بأيّ حضور في الثقافة العربية كآثار كاملة إلا ما ندر، وعادة ما تكون في اتجاه الإسلام. ولعلّ أشهر الأعمال العربية في هذا الصدد كتاب مصطفى محمود "رحلتي من الشك إلى الايمان"، وبقية أعماله وبرامجه التي يروي فيها تطورَ هويتِه العقدية.

بينما يمثل كتاب "مذكرات كافر مغربي" لهشام نوستيك، العمل العربي المعاصر الصريح في تناول التحول العقدي من الإسلام إلى خارجه، بالرغم من انتشار ظاهرة التحول العقدي،  خاصة عبر التبشير المسيحي، والتي عرفها نجومُ الفنّ والإعلام العربي منذ بداية القرن العشرين.

تراثنا الثقافي لا يخلو من قصص الإلحاد، غير أنها قصص تختصر في مشاهد أو أبيات شعرية أو مواقف، ولا يرويها أصحابُها في مؤلفاتٍ كما يكتبون تحولهم من الإلحاد إلى الإيمان. ولعل كتاب "تاريخ الإلحاد فى الإسلام" لعبد الرحمن بدوي أحدُ أهمّ الكتب التي اهتمّت بهذا الموضوع.

ويندرج هذا الكتاب ضمن التنوع الكبير الذي عرفه المغربُ في كتابة السير الذاتية والكتابة عن الذات بشكل عام، حيث تُعتبر المغرب أكثرَ المشاهد الأدبية العربية اهتماماً بهذا النوع من الكتابة ابداعاً ونقداً وبحثاً وتحقيقاً.

الكاتب المجهول

 لا أحد يعلم الاسم الحقيقي لهشام نوستيك إلى اليوم، لكن المعلومات التي صرح بها شخصياً في كتابه وخارجه عبر الحوارات وقناته على اليوتيوب ومدونته، تظهر أنه مغربي من مواليد تازة، عام 1972، عاش طفولته البائسة بالقنيطرة، انضمّ إلى منظمات إسلامية مثل الدّعوة والتّبليغ والعدل والإحسان، قبل أن يهاجر في الثامنة عشرة من عمره إلى ألمانيا برّاً، ويختلط هناك بالإسلاميين  أثناء حرب البوسنة التي سافر إليها كمجاهدٍ قبل أن يتراجع عن ذلك.

بعد ذلك ترك الجماعة والتحق بالمدرسة لتعلُّم التعاليم المسيحية التي أدت به إلى الإلحاد، ولعدم حصوله على الجنسية الألمانية، ورفضِ طلبِه مرّتين، غادر إلى كندا، حيث يقيم إلى اليوم. قدّم تجربته في كثير من التسجيلات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فحرضه متابعوه على نشرها في كتاب، فحرّر تلك السيرة ونشرَها عام 2019، عن دار "الوطن" بالمغرب، تحت عنوان "مذكرات كافر مغربي"، قبل أن يعاد نشرها في "دار التوحيدي"، التي نشرت له أيضاً "حوار مع المسلم الي ساكن فيّ" سنة 2020 و"العدمية البراغماتية، مفتاح السعادة عام 2022، وكلها عن منشورات دار التوحيدي، وهو متزوج وأب لطفلين.

هوية الكتاب

صدر كتاب هشام نوستيك عام 2019، وعُرض في معرض الدار البيضاء، ونفد بالكامل، وتُرجم للفرنسية، وعرض الكتاب في نسخته العربية بالمحكية المغربية، ويمكن قراءة هذا الاختيار في مستويات مختلفة، أهمُّها أن موضوع الكتاب جاء ليقوض النص الديني، وإحدى ركائنه الأساسية هي اللغة العربية، وثانياً اختيار المتلقين، وباعتبار المذكرات ليست مجرد اعترافات، بل رسالة يروم الكاتب تبليغها، وليست إلى النخبة بما فيهم نخبة قراء الكتب المتداولة، بل العامة من الناس، فكانت العامية أقرب كأداة تواصل بينه وبينهم، وثالثاً لأن العمل ظهر على منصات التواصل الاجتماعي فيرويه شفوياً. وهنا يمكن التساؤل: هل الكتاب ينهض بوظيفة تبشيرية مضادة فعلاً؟ وهل هو دعوة إلى الإلحاد؟  

يقدم كاتب المذكرات من أول الكتاب إجابةً عن بعض هذه الأسئلة؛ ففي الميثاق الأجناسي الأول الذي وصف فيه كتابه بالمذكرات، يقول إنه اختار الدارجة لأنها "أبلغ في سرد الأحداث". كما قدم سبباً لكتابته هذه المذكراتِ بأنها جاءت تلبيةً لأسئلة كثيرة كانت تُوجّه له عن كيفية تحوله العقدي، والتي سماها "كيفاش كفرتي؟"  

يقول  في مقدمة الكتاب:

"كيفاش كفرتي؟

سؤال تطرح على مئات المرات، سؤال تايتطرح فجوج كلمات، ولكن الجواب عليه خاصو بزاف ديال السطورة، بحال هاد القرارات المصيرية الي تايدير الإنسان فحياتو، هي ثمرة تجارب تراكمات مع الوقت. التحّول ما تايجيش بين عشية وضحاها.

تانآمن بأننا مسيرون، حنا عبيد ديال جيناتنا وبيئتنا، كون ماكانتش جيناتي الموروثة والظروف الزمكانية الي عشت فيها، كون ما وصلتش لشنو وصلت ليه من قناعات.

هاذ المذكرات تاتسلط الضوء على قبسات من حياتي، بعضها قد يجيب على السؤال أعلاه. استعملت لغة دارجة بسيطة لأنها أبلغ في سرد الأحداث، ما تنتظرش العامر عزيزي القارئ، أنا غير داوي خاوي!".

واعتمد الكاتب في إخراج كتابه محاكاةً ساخرة لشكل الكتب الدينية العربية الإسلامية.

عالم القاع والتهميش الاجتماعي

على امتداد الربع الأول من الكتاب لم يتطرق المؤلف إلى الشأن الديني إلا لماماً، بل كان رواية لسيرة الطفولة والصبا في القنيطرة. وعلى امتداد خمسين صفحة نتابع المحن المتعددة التي لوحتْ بهذا الطفل في مستنقع من الفقر والعنف عاش كلَّ ألوانِه. كان المؤلف قد عرف اليتم مبكراً، فمات الأب إثر اصابته بمرض السرطان، ثم فقد الأمّ بعد سنوات قليلة لتتركه وأخته التي تكفلت بالعناية به والانتقال من الريف إلى القنيطرة؛ تلك الأخت التي يهدي إلى روحها في أول الكتاب مؤلفه مع والديه.

"تانهدي هاد المذكرات لـ(روح: والديا إلي غرقوني بالحب رغم الوقت القصير الي عشتو في أحضانهما، ولـ(روح) أختي اللي ضحات بكل شيء من أجلي، وللأصدقاء اللي شجعوني على الكتابة وبذلوا الكثير دون مقابل".

وهذا الإهداء مهم جداً في تلقي هذه المذكرات والتي تخيم عليها الكثير من السوداوية، بالرغم من السخرية السوداء التي اتسم بها أسلوبُ الكاتب، لأنه يستبعد من خلاله توريط  والديه وأهله بشكل عام في رحلة الشقاء التي عاشها، بل إنه يستل العائلة والوالدين تحديداً من مستنقع العنف الذي سيصفه بعد ذلك بصفته الواقعَ الوحيد المهيمن على الفضاء.

كان العنف في هذه المذكرات يتوالد ويتضاعف بشكلٍ تراكمي حول هذا الطفل الذي يحلم ما قبل الوعي باللغة الألمانية. فيبدأ الفصل الأول من المذكرات بها: "أنا كلامانية!". هذه الجملة غيرات مجرى التاريخ، ماشي التاريخ ديال العالم، التاريخ ديالي. عبارة عجيبة وغريبة تقريباً خيالية، كنت تانقولها من كنت صغير. المعنى ديالها (أنا نقرأ الألمانية)، علاش الألمانية، ما نعرف".

المرة الغريبة التي أشار فيها الكاتب إلى الدين هو تشبيه نفسه عندما كان طفلاً يتيماً بالنبي محمد، وقد ربطها بوعيه الحاضر، لا بتصوراته وهو طفل: "تاتفكرني هاد التبهذيلة من يد ليد لي دازت عليا، لداكشي لي داز على محمد نبي الإسلام".

يروي الكاتب علاقته بالقنيطرة التي يرجع لها الفضل في نحت شخصيته؛ القنيطرة التي يقدمها في البداية باعتبارها المنطقة الملعونة بسبب غضب الملك عليها، حيث يرجع أهاليها كل أوضاعها لتلك الغضبة التي غضبها الملك إثر الاعتداء عليه، كما تُروى عن ذلك القصص: "كون ما ماتوش والدينا، كون كبرت في الريف، لكن الموت ديالهم سيفطني نعيش في القنيطرة. القنيطرة في داك الوقت معروفة أنها مغضوب عليها، حيت حقا والواد قالك شي نهار  ضربو الملك بمطيشة ولا شي لعبة"، ويعني بالمطيشة الطماطم.

في هذا الفضاء الملعون من السلطة، نشأ الطفل الراوي. وككل الفضاءات التي تنسحب منها الدولة تتحول إلى فضاءات بدائية عنيفة يديرها الشطّار والخارجون عن القانون والذين سيصبحون نجومَ المجتمع فيها عبر أفعالهم الشنيعة من سرقة واغتصاب وعنف وجنس وحشيش، لتكون الجريمة والدعارة السمتين الأساسيتين في الفضاء، تلخصان عالم الذكور والإناث. وطبقية هذا المجتمع يشكلها مدى قرب الواحد من تجار المخدرات. وكان على الفقراء والشباب العاطل والمتسرّب من التعليم أو الذي لم تطأ أقدامه المدراس أصلاً أن يخلق لنفسه فضاءاته الخاصة وكانت "الدرب" هو الفضاء الذي يجمع هؤلاء الأطفال والشباب. 

يقدم الكاتب "الدرب" في جملتين: "الدرب كان جامع أي مصيبة اجتماعية تقدر تطيح ليك فبالك، كاين للي نتاحر، كاين لي قتل مو، اغتصاب جماعي، كريساج، التوكال، دار دعارة عشوائية، مرا خوات على راجلها الما القاطع، الشفرة من الديور عاين باين، بلا ما نتذكر المدابزات لي أغلبها كانت بالسكاكين والزراوط ولأتفه الأسباب".

ويرسم الكاتب صورةَ الدرب عبر أحداث مهمة تجعله على ألسنة كلّ من يذكره، وهو حدث الاغتصاب الجماعي للغريب أو الوافد، فهذا الفضاء الخطير لا يمكن أن تدخلوه وتقيموا فيه مطمئنين دون أن تدفعوا ثمناً؛ فيروي الكاتب قصة الاغتصاب الجماعي لطفل معوق في "الدرب".

أما الدرب نفسه فمنقسم إلى قسمين؛ منطقة "علي زاوة"، ومنطقة "المرجة"، وككل فضاءات الهامشيين كان من الضروري أن تقسم بين الفقير والأكثر فقراً، أو العنيف والأكثر عنفاً. وكان الكاتب من أطفال المنطقة الأكثر بؤساً وفقراً: "المرجة".

وتقدم الفضاءات بأبطالها والقدوة فيها. والقدوة في فضاءات الهامش ليس المتعلّم والمثقف، بل الأكثر عنفاً والأكثر فظاعةً، لذلك كان عبد الرحيم هو القدوة.

ويرسم الكاتب بدقة صورة الفتوة في هذه المحتشدات، فالقوي فيها ليس الذي يستعمل طوال الوقت العنف بل الذي يرهب به ويقتصد فيه، أي الذي يخيف به دون أن يستعمله بإسراف. وهذا المبدأ هو الذي تقام عليه السلطة في أي مستوى، لذلك يتسيد ذلك الفتوة الفضاء. يستمر في سيادته عبر الذاكرة الجمعية التي تحفظ له تاريخه، فعبد الحميد ارتكب حدثاً جعل الجميع يخافه: قتل أمه، فلا أحد يرى إمكانية النجاة من غضب رجلٍ قتَل أمَّه.

يروي الكاتب كيف انخرط في حياة الصعلكة وعرف بيع المخدرات وعوالم الجنس، وكيف كان ينفق كلَّ ما يكسبه على المغامرات الجنسية. وحدثنا عن "المرجة"، المستقنع الذي تتجمع فيه كلُّ الأوساخ الطبيعية والبشرية والأفكار اللعينة. ويعتبرها المدرسة الحقيقية التي تعلم منها كل شيء واكتشف فيها ذاته: "المرجة هي الأصل، والباقي تقليد. المرجة مدرسة. المرجة مطعم، المرجة  ترفيه، المرجة رياضة، المرجة هي المغرب ديالي، المرجة هي  كل شيء، المرجة أسلوب حياة. شحال ما عاودت على المرجة، ماغاديش نوفيها حقها... المرجة عامرة بجميع أنواع القاذورات والحيوانات، داخل فيها بنادم والحشرات الضارة. Buffet  ديال الوساخة والأمراض".

هناك عرف الكاتب مرحلة البلوغ الأول وتدرب على الاستمناء الجماعي والذي كان الخبز اليومي للشباب المكبوت غير القادر على توفير وجباته الجنسية. يقول متحدثاً عن تلك الطقوس: "تانتصافو، كلشي تايهبط السروال، وتنبداو بحال شيء مجموعة ديال راقصي الراب، نداعب حجرنا تا تايجيب الله التيسير، أو ما تايجيبوش. ثم نتحول من الصمت والتركيز إلى الضحك الهيستيري. ربما التكفات الجماعي هو للي قدر يدير لينا التوازن  فعالم أسود تافه كله عنف. كنا نقدروا نزكّلو أي حاجة، إلا النداء لهاد العمل الخيري للي قتلنا/عتقنا فيه ملايير الأطفال المرجاويين. ما خرجوش للوجود".

في هذه الأجواء من العنف عاش الكاتب  طفولتَه وصباه وبعضاً من شبابه؛ عاشر الجميع، وقاوم كلَّ شيء بالتعلم، وقادته عبارة "أنا كالمانية" لملاحقةِ حلمه، ليتعلمها فعلاً، وليحصل على تأشيرةٍ ليكمل دراسته في ألمانيا، ويهاجر إليها برّاً في ظروف قاسية، تاركاً  وراءه عالمَ فتاة الليل مارينا، وخنانة، وعبعالي، وعالم الاغتصابات الجماعية. 

الملاذ الديني  والخيبة

كان اختلاط الشاب في المغرب بالمنظمات الدينية اختلاطاً طفيفاً، يعتبر أنه أحد الأشياء التي حمته من السقوط في واقع الجريمة والعنف، وجعلته يتمسك بالأسرة والتربية السليمة ومواصلة التعلم، لكن مع وصوله إلى ألمانيا تلقفته الجماعات الدينية المتشددة في المسجد الذي آواه.

عندما وصل الراوي إلى ألمانيا، ونسي أن يخطط لما بعد وصوله، استقبله شخص صومالي طلب منه الكاتبُ مساعدتَه، فاقترح عليه أن يأخذه إلى المسجد، وهناك في ذلك "البيزمنت" الذي يسمونه مسجداً، وجد في انتظاره شعوباً متنوعة من الإسلاميين والمجاهدين، جروه إلى أفكارهم الجهادية، ليجهزوه للذهاب إلى البوسنة.

يصفهم في أول مشاركة في الطعام بقوله: "تاناكل وتانشوف فالوجوه للي جلها عابسة، واخا فلتات من جحيم العالم الثالث"، وأغلبهم بلا أوراق إقامة رسمية. 

 عاش الشاب صدمةً كبيرة في التعرف على ما يسمى بـ"الإسلام الغاضب"، الذي يتناقض تماماً مع الإسلام الشعبي البسيط المسالم الذي عرفه في المغرب. ويصف تلك الصدمة  قائلاً: "إسلام جل المغاربة هو إسلام العجائز، أو إسلام فلم الرسالة كيف تانسمّيه. إسلام بسيط مسالم. تا الجماعات الإسلامية للي دوزت، إسلامهم كان خفيف مزوّق. الإسلام اللي تلاقيتو فالجامع تايهزك ويخبط ويعاود يهزك ويخبط. الصدمة كانت قوية، وليت تانشك فكلشي. واش هذا هو الدين ولا شيء حاجة دخلوها فيه؟".

غير أنه وأثناء مغامرته الجهادية الأولى اكتشف المغالطات التي يروجها الإسلاميون هناك، وتضاربَ سلوكهم، وبدأ به الشك، فانسحب من ذلك العالم بعد مدة طويلة قضاها بينهم ليلتحق بالتعليم من جديد، ويدرس الأدب الألماني. ثم توجه نحو دراسة التعاليم المسيحية، مما زاد شكه في الدين، وشيئاً فشيئاً وجد نفسه خارج المعتقدات كلها.

عبور حرّ أم سقوط في جحيم الشك؟

تذكّرنا الرحلة العقدية للكاتب، والتنقل بين الأديان عبر التعرّف بقصة في كتاب "كليلة ودمنة" والذي بسببها قُطّع ابن المقفع، حيث كان بطل القصة يتنقل من دين إلى آخر ليكشف زيفه وتعصبه، لينتهي إلى الكفر بها جميعاً. وقد استند عبد الرحمان بدوي لرواية إلحاد ابن المقفع إلى هذا الباب: "برزويه كما ترجمه الوزير بزرجمهر بن خلكان". وكذلك فعل الراوندي في رحلته بين الأديان قبل إلحاده. أما الرازي فقد ألف كتابين: "في النبوات" و"حيل المتنبين"، اللذين أوردهما البيروني في "الفهرس" الذي أعدّه حول كتابات الرازي، وصنفهما تحت عنوان "كتب في الكفريات".

القيمة الأساسية  لهذا الكتاب هو طابعه الأوتوبيوغرافي، وخاصةً ما تعلق بمرحلة الطفولة والصبا ونقله لواقع الحياة بالمناطق الهامشية بالمغرب، ومعاناة الإنسان هناك، وكيف يتربى الشرّ، ويتزيّن للشباب، ويجهّزهم ليكونوا قنابل موقوتة أينما ذهبوا. كما يعكس الكتاب قيمةَ العلم والتعلم في الخروج من ذلك العالم الأسود، غير أن هذا الخروج تواصَل ليُخرج المؤلف من جنة الطمأنينة الجينية الوراثية التي اعتبرها زائفةً وغير مفكّرة، إلى جحيم الشك الدائم.

  يبدو أن هذه المذكرات على أهميتها ستظل مظلومةً لأمرين؛ أولهما كتابتها بالعامية المغربية، والتي تجعلها حبيسة فضاء التلقي المغربي، بل في جزء من ذلك الفضاء غير الفصيح، ويبدو ذلك خيار إستراتيجي في التسجيل اختاره الكاتب، كما بينّا سابقاً. والأمر الثاني هو العنوان الذي سيبدو للعديد فجاً ومنفراً: "مذكرات كافر مغربي".

وسيصطدم الكتاب بالمؤسسة النقدية المحافظة نزيلة الجامعات، لتحول دون دراسته. وعلى الرغم من أن القسم الأول من الكتاب ينافس بقوةٍ أهمَّ الكتب السيرذاتية التي كُتبت في العالم العربي من "الخبز الحافي" إلى "تربية عبد القادر الجنابي"، غير أن تلك الروح والصدق الفني الذي كُتب به ذلك القسم خفت قليلاً مع الأقسام الأخرى، وبدا أقلَّ أصالة، وصار الكتاب يتحرّك وفق كليشيهات متكرّرة حول المتطرفين والإرهابيين وقصصهم.

كما بدا لنا التذرّع بالإسلام الغاضب للعبور الديني ضعيفاً أو كُتب بتسرّع، لأن ذلك العبور عادة ما يكون أشدَّ عنفاً على الفرد، وليس العبور الديني الحقيقي سياحة دينية كالتي يقدم عليها بعض العابرين دينياً لكسب حيوات جديدة، أو مصالح ما، بل معاناة روحية ونفسية وذهنية لا تحتمل. يجيب الكاتب في أحد الحوارات معه أن الملحدين لا يتقاضون أموالاً من منظمات، ولا ينتمي هو للماسونية العالمية، وأنه لم يُرِد تقديم تجربتِه في الخروج من الاعتقاد فقط، كما لا يعنيه أن يلتحق أكبر عدد من الناس بالإلحاد، فهو يقدم "واجباً إنسانياً" في التحذير من خطر الدين فقط. فإذا عرفنا من الباحثين من اعتكف على دراسة النصوص الدينية المقدسة دراسةً أدبية، هل يحق لنا أن ندرس هذا الكتاب بخطابه المضاد باعتباره عملاً أدبياً بعيداً عن موضوعه العقدي؟

هل دراسة أعمال ساراماجو المضادة للدين، كرواية "قايين" أو" الإنجيل"، مثلاً، تكتسب شرعية لقراءتها أدبياً، لأنها وُضعت تحت علامة "رواية"، بينما هذه الأعمال غير التخييلية، لأنها وضعت تحت علامة "مذكرات"، تُحرم من حقها في قراءة نقدية أدبية؟

ثم، ألا يتحمل الكاتب نفسه مسؤوليةَ ذلك، لأنه لم يسع لذلك بقدر ما سعى إلى تقديم نفسِه كداعية مضادّ أو مفكّر علماني وليس مبدعاً؟ أي أنه في الظاهر ترك الأديان جميعاً، لكنه سيّج على نفسه من خلال نشاطه عبر اليوتيوب ومنصات التواصل الاجتماعي والكتب التي ألفها بعد ذلك في الخطاب الديني، وإن كان من أجل تقويضه وهدمه.

رصيف 22

Related

Share

Rating

0 ( 0 reviews)

Post a Comment

Category
Author
More Options
  • Recent
  • Popular
  • Tag
Tags