يدخلون الإسلام أفواجا - Articles
Latest Articles

يدخلون الإسلام أفواجا

يدخلون الإسلام أفواجا

سناء العاجي الحنفي:

 

تابعت فيديو يظهر فيه، في قطر، داعية شهير يردد الشهادة، التي تكررها خلفه مواطنة أوروبية أو أميركية. بعد ترديدها الشهادة، يهلل الداعية والحضور حوله مبتهجين بدخولها الإسلام.

الفيديو صُور في الشارع العام على شاكلة الحوارات التي نوقف فيها مواطنين مارّين في الشارع لنسألهم عن رأيهم في قضية ما. فهل، بمجرد ترديدها الشهادة، تُعتبر هذه السيدة مسلمة، حتى وهي على الأرجح لم تتعرف على شيء يتعلق بالإسلام باستثناء ما كانت تعرفه سابقا؟ أي إسلام اختارت: السني أم الشيعي (ولو أن الجواب واضح من شخصية الداعية)؟ أي مذهب؟ أي معرفة عندها بالإسلام؟

مثل هذه الفيديوهات التي تود تقديم الحادثة كنجاح مبهر للإسلام، هي في الحقيقة ما يهينه! هل يمكننا أن نوقف عشرة أشخاص في الشارع ونسرد عليهم الشهادة ونطلب منهم ترديدها خلفنا، ليصيروا بذلك مسلمين؟ هل بهذه السطحية ننتصر للإسلام، أو لأي دين أو قضية أخرى؟ 

في الحقيقة، أن يدخل الإسلام 500 شخص أو 700 أو ألف، وأن تحتفلَ بذلك أو تعتبره انتصارا، هو تسطيح منك لهذا الدين الذي تريد أن تفخر به. من أصل 8 مليارات من الأفراد في هذا العالم الواسع، ما القيمة العددية لخمسمائة أو سبعمائة شخص؟ وهل تؤمن حقا أن دينا "ينتصر" بدخول بضع مئات إليه؟ وهل مجرد ترديد هؤلاء للشهادة، هو كاف لنحتسبهم ضمن مجموع المسلمين؟ 

بالمقابل، هل نحتسب عدد "الخارجين من الإسلام"، والذي، في الواقع، لا يكتفون بترديد جملة أمام الكاميرا ليتركوا الإسلام، بل يعيشون في أغلب الحالات مسارا طويلا من الأسئلة قبل أن يقرروا ذلك؟ 

نظرية التفوق العددي التي تريد أن نؤسس لها تتحطم أمام معطيات الواقع. حسب استطلاع رأي لمعهد "وين غالوب" لاستطلاعات الرأي سنة 2012، فقد صرح 19٪ من المستجوبين في السعودية لوحدها أنهم لا دينيون و5٪ بأنهم ملحدون، بما يعني، عدديا، مليون سعودي ملحد و4 ملايين لادينيين. هذا لا يعني أن الذين يعدون أنفسهم ضمن الملحدين (والذين لا يستطيعون الوقوف أمام كاميرا والاحتفال بذلك تحت تصفيقات المارة)، يوجدون في السعودية فقط، بل أيضا في المغرب ومصر وتونس والكويت وغيرها من الدول. في مجموع دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط، بلغت نسبة من صرحوا بأنهم ملحدين، حسب نفس استطلاع الرأي، 2٪ من المجموع العام للساكنة، بما يعني حوالي 370 مليون مواطن وُلِد معظمهم مسلمين!

فماذا نفعل بهذه الملايين ونحن نحتفي بالخمسمائة أو الستمائة الذين دخلوا الإسلام في قطر؟ هل نعتبر هذه "هزيمة" للإسلام؟

الحقيقة أن لا هؤلاء يهزمون الإسلام ولا من يدخلونه يقوّونه! ببساطة، لأن ليس هناك دين ينتصر بدخول أشخاص له ولا دين ينهزم بخروج أشخاص منه، بعض النظر عن أعداد الداخلين إليه وأعداد الخارجين منه.

الإسلام يوجد ضمن الديانات الأكثر انتشارا في العالم (إلى جانب البوذية والمسيحية). ومن العبث أن نذهب لمباراة رياضية لمحاولة زيادة العدد ببضع مئات، وبطريقة سطحية جدا، تختزل الدين في مجرد نطق الشهادة. بنفس المنطق، هل سنقبل في دورة 2026، في كندا والمكسيك والولايات المتحدة، أن يسعى تبشيريون لتحويل مشجعي فرق الكرة القدم القادمين من الشرق الأوسط ومن شمال إفريقيا، إلى المسيحية؟ كيف سنتفاعل مع فيديوهات لـ "دعاة" بوذيين يحولون مسلمين للبوذية (علما أنه من المستبعد أن نجد مثل هذه الأشكال التسطيحية للدين والتدين خارج شطحاتنا)؟ 

ثم، منطقيا، كيف نقبل أن شخصا يمر في الشارع، يقف أمام الكاميرا ليردد جملة أو جملتين، مهما كانت قداسة هاتين الجملتين في معتقداتنا، لنعتبر بأنه انتمى رسميا لديانة معينة، بل ونفتخر بذلك؟ لو مارس شخص من ديانة أخرى نفس السلوك، لكنا سخرنا منه لأنه يعتبر مجرد نطق جملة أو جملتين انتماءً لديانته؛ دون معرفة ووعي وإيمان حقيقي!

إن "فلكلرة الدين"، بمعنى تحويله لفلكور شكلي، هي أسوأ ما يفعله بعض الدعاة والمتدينين بالإسلام. حين سيتوقفون عنها، سيرجع اختيار البعض للإسلام إلى معناه الحقيقي والأصيل: اختيار فردي لا يؤثر على تطور مجتمع ولا على قوة دين معين. تماما كما قرار البعض الآخر الخروج منه. لا هؤلاء يقوونه ولا أولئك يضعفونه! اللهم إذا كان الدين عندنا مثل كاميرا خفية نغافل بها الناس في الشارع لنصنع الفرجة!

الحرة

Related

Share

Rating

0 ( 0 reviews)

Post a Comment

Category
Author
More Options
  • Recent
  • Popular
  • Tag
Tags