هل يستحق معاوية بن ابي سفيان مسلسلا؟ - Articles
Latest Articles

هل يستحق معاوية بن ابي سفيان مسلسلا؟

هل يستحق معاوية بن ابي سفيان مسلسلا؟

أحمد عويضة:

 

حذرني أحد أصدقائي ذات يوم بعيد من أن أتكلم بالسوء عن "سيدنا" معاوية، لأن الله غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر! فسألته متعجباً: وكيف عرفت؟ فتنهّد كالحكماء وقال لي: "ألم تعرف بأن النبي قد أخبرنا بأن الله غفر لمن حضر بدراً؟". ظننته يلقي دعابة، فصدرت مني ضحكة بترها وجهه الجامد الغاضب، ثم أجبت: "النبي يتحدث عمّن حضر بدراً من المسلمين، وليس من المسلمين والمشركين".

ذُهلت وقتها من أن صديقي هذا لا يعرف أن معاوية بن أبي سفيان وأبيه وأمه قد أسلموا وقت فتح مكة، والبعض يقول إن معاوية أسلم وقت عمرة القضاء وأخفى إسلامه حتى فتح مكة. كنت أظن أن هذه معلومة شائعة، لكن اكتشفت أن الكثيرين لا يعرفونها، وببعض البحث والسؤال وجدت كثيراً من الناس يخافون مجرد القراءة أو السماع عن معاوية، يرسمون صورة معينة له بوصفه صحابياً ومن كتبة الوحي، ولا يريدون أن يروا ما هو أبعد من ذلك، لأن هذا سيجرّ عليهم معرفة الفتنة الكبرى وأحداثها، وهو أمر لا يزال الشيوخ حتى الآن يحذروننا منه، يريدون أن نتعامل معه كأنه أرض مظلمة محرّمة لا يجوز أن تطأها قدم إنسان.

فتنة بدأت بتولي عثمان بن عفان الخلافة، أو بدأت بمقتل عمر بن الخطاب، واستمرت ربما حتى وقتنا الحالي، قُتِل فيها الصحابة والتابعون وتقسّمت الأمة وحاربت بعضها، وتغير فيها نظام الحكم في الدولة الإسلامية من الشورى إلى الوراثة، ويريدون ألا يقرأ الناس عنها ولا يبحثون في وقائعها. يرغبون في أن تظل بقعة مظلمة مجهولة، لا لسبب إلا لراحتهم من عناء الحديث والشرح والتفسير والإفهام، يرغبون في نقل ما قيل لهم من سابقيهم للاحقيهم بهدوء.

ماذا حدث؟

إن تحدثنا عن الفتنة فيمكننا القول إن سياسات عثمان بن عفان وقتها قد أعطت قبلة الحياة للعصبية القبلية بعدما حاول النبي والشيخان أبو بكر وعمر وأدها، فقد ولّى أقاربه من بني أمية المناصب والولايات الهامة، دون أن يلتفت لكفاءة أو دين، وزاد في عطاياهم، فتعالوا وظنوا أنهم أفضل من باقي المسلمين واغتروا عليهم، ولم يحرك الخليفة ساكناً لمنع هذا حتى بعدما رأى بوادر الشر، وفي المرّات التي حاول فيها العدول عن بعض ما يفعل، ردّه عن ذلك كاتبه وقريبه مروان بن الحكم.

عارض كل الصحابة تقريباً سياسات عثمان، بالرفق أحياناً وبالشدة أحياناً، لكنه لم يلتفت إلى معارضاتهم، بل قابلها بالغضب والوعيد والنفي لبعضهم، مثل أبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر. وساهمت فئة "القراء" الناشئة المتشدّدة – والتي ستصبح الخوارج- في تغذية نار الفتنة المشتعلة بالفعل، حتى اقتحموا المدينة وحوصر بيت الخليفة وقُتِل.

وبعد مقتل عثمان، امتنع معاوية الذي ضم إليه عثمان كل ولايات الشام حتى كاد يصير خليفة وقت خلافته، وبنو أمية عن مبايعة عليّ بن أبي طالب، بحجّة أنهم يريدون القصاص من قتلة عثمان أولاً، كما أرادت السيدة عائشة والزبير وطلحة، ولكن كل ما حدث بعد ذلك ينفي هذا الغرض "النبيل" عن بني أمية، والتقى الجيشان في موقعة صفين التي انتهت بخدعة عمرو بن العاص برفع المصاحف على أسنة الرماح وطلب معاوية للتحكيم، بعدما رأوا تفوّق جيش عليّ على جيشهما.

وفي التحكيم، خرج عمرو بن العاص قائلاً قولاً غير الذي اتفق عليه هو ومعاوية مع عليّ وأبي موسى الأشعري. وظل معاوية رافضاً لبيعة الخليفة الرابع عليّ حتى قُتل على يد ابن ملجم، وبعدما اختار الناس الحسن بن علي خليفةً رفض معاوية مبايعته أيضاً، وأوشكت الأمور على التطور إلى حرب جديدة أشفق منها الحسن أن تُراق دماء المسلمين مرة أخرى، فاتفق مع معاوية على أن يتنازل له عن الخلافة على أن يعود الأمر شورى بين المسلمين بعده، وهو العهد الذي لم يصنه معاوية بالطبع، وأقرّ ابنه يزيد ولياً للعهد، وأخذ البيعة له بالقوة. وسنتوقف عند تولي يزيد لأننا إن استرسلنا فسيطول الكلام ويصير أقسى.

هل نسينا شيئاً ونحن نتحدث؟ آه... ثأر معاوية لعثمان والقصاص من قتلته. استقرّ معاوية على كرسي الخلافة لمدة تُقارب عشرين عاماً، ولم يثأر من قتلة عثمان الذي حمل قميصه المخضب بالدماء وظل ينوح مطالباً بثأره قبل أن يُبايع عليّ.

يمكننا أن نعتبر الملخص السابق هو ملخص مُخلّ لأحداث الفتنة الكبرى، فالأمر أعقد كثيراً من أن يُسرد في عدة أسطر. سُردت الفتنة كتابين كاملين كتبهما عميد الأدب العربي طه حسين، وهما الفتنة الكبرى بجزأيها: عثمان، وعليّ وبنوه. بالإضافة إلى الكثير من الكتب الأخرى لكتاب آخرين حاولوا قراءة ما حدث وتحقيقه وتحليله، في جهود للأسف لم تُكرّم من رجال الدين الذين ظلوا على موقفهم المانع "للخوض" في ما حدث.

تحول الخلافة إلى مُلك

يمكننا أن نسرد هنا بعض الحوادث التي تلفت الانتباه عند قراءة ما حدث في الفتنة الكبرى، وتُفسر الكثير مما جرى بعدها من تحول الخلافة الإسلامية إلى مُلك في صورة خلافة: منها مثلاً قول أبي سفيان للعباس بن عبدالمطلب عم النبي يوم فتح مكة، بعدما أسلم ورأى النبي في جيشه: "والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً". ورد العباس: "ويلك يا أبا سفيان إنها النبوة".

والموقف الآخر هو ما قاله أبو سفيان عن معاوية وهو صغير: "إن ابني هذا لعظيم الرأس، وإنه لخليق أن يسود قومه". وردّت زوجته هند: "قومه فقط؟ ثكلته إن لم يسد العرب قاطبة.

والثالث هو عندما زار عمر بن الخطاب الشامَ، واستقبله معاوية وهو في أبهة الملوك، فاستنكر عمر قائلاً: "أكسروية يا معاوية؟". إلا أن معاوية أقنعه بأنه يقيم على ثغر من الثغور ويحتاج إلى مباهاة العدو.

تلك الأحداث تُشير إلى اقتناع بني أمية بأنهم ملوك، وأن مكانهم الطبيعي فوق رقاب الناس يسودونهم، ما يساهم في فهم الدوافع التي قاموا بها منذ أن شرع الخليفة عثمان بن عفان في توليتهم المناصب لأنهم قرابته، حتى حولها معاوية، من خلافة تنتقل بالشورى بين المسلمين إلى ملك بدأ من عنده حتى انتهى على يد العباسيين، ثم استكمل العباسيون سيرة الملك المقنّع بقناع الخلافة، حتى زالوا وعاصرتهم وتلتهم دول كثيرة نهجت نفس النهج.

هل تستحق شخصية معاوية أن يُصنع لها عمل درامي أو أدبي؟

بعد انتشار خبر التجهيز لمسلسل معاوية في رمضان القادم، تباينت ردود الناس ما بين مؤيد ومعارض، وزادت حدة الخلاف بعدما تم الإعلان عن اقتراب عرضه، وقيام مقتدى الصدر بإصدار بيان يطالب فيه بوقف عرض المسلسل.

تجولت في الفضاء الافتراضي، قارئاً للتعليقات والآراء، فاستوقفتني بضعة آراء عن جدوى المسلسل، وعن استحقاق معاوية لأن يكون بطل عملٍ أدبي أو فني. ولا أدري في الحقيقة بأي معيار يتحدثون هنا، لكننا إن تحدثنا بالمعايير الفنية والأدبية، فمعاوية من الشخصيات المعقدة المركبة التي يسيل لها خيال أي كاتب ويرغب في الكتابة عنها وتجسيدها، بداية من النشأة وقتاله المسلمين، ثم إسلامه وترقيه في المناصب حتى ولي الشام وما تلاه، ألا يكون هذا خليقاً بصناعة عملٍ عنه؟

وربما كانت الإشكالية هنا أننا نتعامل من صغرنا على أن الشخصيات التي يُسلط عليها الضوء وتصنع لها أعمال درامية يجب أن تكون شخصيات ناصعة البياض، إن قمنا بكتابة مسلسل عن قطز يجب أن يكون من المبشّرين بالجنة، وإن أراد أحدهم صناعة مسلسل عن بيبرس تحول هو إلى المبشّر بالجنة، ونسينا أن الأصل في الأدب والفن هو المتعة وطرح الأسئلة والتأمل في إجاباتها. نحن نقرأ ونشاهد لنستمتع لنحلل ونقيم، أما من يتحدثون عن استحقاقه، فنحن هنا نتحدث عن شخصية غيرت تاريخ دولةٍ ونظام حكمها، وأسست دولة حكمت العالم الإسلامي لقرابة المائة عام، هل يمكن اعتبارها غير مستحقة؟

وفي النهاية ربما يكون هذا المسلسل خطوة جديدة في تشكيل النظرة النقدية للتاريخ ونزع التقديس عنه.

رصيف 22

Related

Share

Rating

0 ( 0 reviews)

Post a Comment

Category
Author
More Options
  • Recent
  • Popular
  • Tag
Tags