أسطورة الاقتصاد الاسلامي - Articles
Latest Articles

أسطورة الاقتصاد الاسلامي

أسطورة الاقتصاد الاسلامي

محمد المثلوثي:

 

الاقتصاد الإسلامي، الصيرفة الإسلامية...الخ، رغم أن كل هذه المفاهيم والمصطلحات لا تعبر عن حالة واقعية، فإنها أصبحت تمثل ترسانة إيديولوجية تستعملها الأحزاب الدينية من أجل التمويه على حقيقة الصراعات الاجتماعية وتحويل وجهتها من جانب، ومن أجل الاستيلاء على السلطة السياسية بدغدغة المشاعر الدينية للجماهير من جانب آخر، خاصة في ظل الإفلاس التاريخي للخطاب الليبرالي الكلاسيكي وتهرئه وتمرد عموم الفقراء عليه. وأول سؤال يتبادر للذهن عند الحديث عما يسمى الاقتصاد الإسلامي: هل أن هذا يعني وجود اقتصاد مسيحي، وآخر بوذي، واقتصاد يهودي وآخر كونفشيوسي، واقتصاد علماني وآخر ملحد...؟. فلو صدقنا هذا الزعم فإننا سنعثر على آلاف الأنماط الاقتصادية بعدد الأديان الموجودة في العالم. ولو تابعنا نفس المنطق لتفرع السؤال إلى المذاهب المتعددة داخل كل دين بذاته. فما هو الاقتصاد الإسلامي: هل هو اقتصاد سني أم شيعي؟ وهل هو اقتصاد حنبلي أم شافعي أم مالكي؟ وما هو الاقتصاد المسيحي: هل هو اقتصاد كاثوليكي أم بروتستاني؟ ولو تابعنا التساؤل بهذه الطريقة فإننا سنصل إلى لوحة كاريكاتورية من الأنماط الاقتصادية التي لا حصر لها.
أما إذا عدنا لأرض الواقع الفعلي، فإننا سنعرف أن خطاب "الاقتصاد الإسلامي" إنما يقوم على جملة من التمويهات الإيديولوجية البحتة. وسنحاول هنا استعراض عناوينها الكبيرة.

القوانين الاقتصادية:

يعتمد خطاب "الاقتصاد الإسلامي" على تمويه رئيسي في تحديد المعنى من القانون الاقتصادي. فهذا الخطاب يخلط عمدا بين القانون بمعناه الحقوقي، أي القوانين المكتوبة، من التشريعات الدينية الى ترسانة القوانين الوضعية، ومن الدساتير إلى المجلات التجارية، وبين القانون الاقتصادي والذي هو الآليات الواقعية التي يسير وفقها نظام اقتصادي معين. فإذا كان الأول هو مجموعة نصوص تخطها المؤسسات المختصة في التشريع كالبرلمانات، فان الثاني هو حالة واقعية تتطور وتتغير وفق الشروط التاريخية بدون أن يكون قد سنها أحد في شكل قوانين. وفي الحقيقة فان القانون بمعناه الحقوقي يكون لاحقا للقانون الاقتصادي ومجرد تعبير خصوصي عنه.

ولتوضيح الأمر سنأخذ مثالا محددا. فالقانون الاقتصادي الجوهري للرأسمالية هو ما يسمى قانون القيمة-العمل، أي تحديد قيمة البضائع بكمية العمل الاجتماعي المجرد المتبلور فيها. فهذا القانون الاقتصادي ليس نصا تشريعيا (دينيا أو وضعيا) سنعثر عليه في المجلات القانونية، بل هو آلية اقتصادية قد نشأت بتطور الرأسمالية وتحولها إلى نمط اقتصادي عالمي. أما تنظيم المبادلات التجارية في ظرف تاريخي محدد وفي بلد معين، فإنها تخضع لقوانين، بالمعنى الحقوقي، تضعها المؤسسات التشريعية للدولة. وإذا كان من الطبيعي أن هذه القوانين التجارية هي التعبير الحقوقي عن تلك الآلية الاقتصادية التي تسبق التشريع، بل هي تمثل الشروط الواقعية لنشأة القانون نفسه، فان المماثلة بينهما، أي بين النص القانوني وبين القانون الاقتصادي ذاته، هدفها بث الوهم كون القانون الاقتصادي يقوم من خلال إرادة المشرع، أي اعتبار النص القانوني هو الذي يخلق النظام الاقتصادي. أو كأن النظام الاقتصادي هو اختيار تشريعي أو أخلاقي وليس علاقات تاريخية تنشأ وتزول انطلاقا من الشروط التاريخية المستقلة عن إرادة مشرعي القوانين أنفسهم. وهذا الأمر ينسحب على كل القوانين الاقتصادية الخاصة بالاقتصاد الرأسمالي، مثل العمل المأجور، أي تحول قوة العمل إلى بضاعة تباع وتشترى وفق العرض والطلب. وهذا الأخير هو قانون اقتصادي، أي آلية اقتصادية، وليس قانونا شرعته هذه المؤسسة أو تلك، ولا هي تعاليم دينية مقدسة. كذلك الأمر بالنسبة لتحديد نسبة الربح بما هي نسبة فائض القيمة مقارنة بالرأسمال الكلي، والشرط التاريخي لتحقق هذا الربح، أي الاستخدام المنتج لقوة العمل من طرف الرأسمال وفصل أحدهما عن الآخر، أي فصل العامل عن الشروط المادية للإنتاج. فإذا كانت التشريعات القانونية تختلف من بلد لآخر، ومن ظرف تاريخي خاص إلى آخر، فان القوانين الاقتصادية لا تتغير إلا بتغيير النظام الاقتصادي نفسه، أي تغيير أسلوب الإنتاج وليس التشريعات أو الأخلاق. لذلك فعندما نتحدث عن الاقتصاد الرأسمالي فإننا لا نتحدث عن التشريعات الخاصة بهذا البلد أو ذاك، بل عن القوانين الاقتصادية الخاصة بالاقتصاد الرأسمالي. فإذا كانت القوانين المنظمة للعمل المأجور في السعودية ليست هي نفس القوانين المطبقة في الصين، وهذه الأخيرة تختلف عن قوانين العمل في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، فان القانون الاقتصادي الرأسمالي (العمل المأجور)، القائم على ملكية طبقة اجتماعية معينة للرأسمال في مقابلة لطبقة اجتماعية لا تملك إلا قوة عملها كبضاعة تدخل بها سوق التبادل، هذا القانون الاقتصادي ليس خاصا ببلد أو مجموعة عرقية أو دينية أو اثنية، بل هو قانون خاص بأسلوب الإنتاج الرأسمالي أينما وجد. وما تشريعات العمل سوى ضبط قانوني خاص لهذه الآلية الاقتصادية الرأسمالية. فلو افترضنا أن هناك حكومة "إسلامية" ستسن القوانين من أجل فرض الأخلاق الإسلامية على الأعراف مثل احترام العامل (أد الأجير أجره قبل أن يجف عرقه) وتمكينه من فسحة زمن لأداء شعائره الدينية وإقامة العبادات في مؤسسات الإنتاج...الخ، فهل يجعل ذلك من الاقتصاد اقتصادا إسلامية؟ طبعا لا. فالقانون الاقتصادي سيبقى هو ذاته: قانون العمل المأجور، أي القانون الخاص بالاقتصاد الرأسمالي.

كذلك لو افترضنا أن حكومتنا "الإسلامية" ستسن القوانين التجارية وفق "الأخلاق الإسلامية"، فهل يمكنها القفز على القانون الاقتصادي الرأسمالي المنظم العام للتبادل، أي قانون العرض والطلب؟ طبعا لا. فسواء كنا مسلمين أو مسيحيين فان وجود فيض في العرض سيؤدي إلى انخفاض في الأسعار، مثلما أن فيض الطلب سيرفع فيها. وهذا ليس قانونا إسلاميا ولا مسيحيا، بل هو قانون اقتصادي رأسمالي. إضافة لذلك فكيف نحدد قيمة البضاعة؟ هل يكون ذلك بمتوسط كلفة الإنتاج الاجتماعي، أم بالأخلاق الدينية؟ طبعا فقيمة البضاعة لا تتحدد بالأخلاق أو بالتشريعات، بل بمستوى تطور إنتاجية العمل. وحتى ضبط أسعار بعض المواد المسماة أساسية، لاعتبارات سياسية، لا يتعلق بالأخلاق الإسلامية أو المسيحية بل بالظروف الاجتماعية الخاصة التي يعيشها النظام الرأسمالي في هذا البلد أو ذاك. والأمر نفسه ينسحب على ظواهر مثل البطالة والركود والأزمات الاقتصادية وقيمة العملة...الخ، كلها لا يمكن فهمها انطلاقا من الأخلاق والأديان بل من الأسلوب الانتاجي السائد، أي من الآليات الاقتصادية ومفاعيلها.

لذلك فالفاصلة التاريخية بين نمط اقتصادي وآخر ليست التشريعات أو الأخلاق بل القوانين الاقتصادية. فما يميز اقتصادا رأسماليا عن اقتصاد إقطاعي مثلا، ليست المجلات التجارية ومجلات الشغل وغيرها من التشريعات الدينية منها أو الوضعية، بل القوانين الاقتصادية التاريخية. فإذا كانت القنانة هي القانون (أو الآلية الاقتصادية) المميزة للاقتصاد الإقطاعي، فان العمل المأجور هو القانون المميز للرأسمالية. وما التشريعات المختلفة سوى تعبير خاص عن هذه القوانين الاقتصادية المتباينة.

وإذا كان من الطبيعي أن التشريعات الخاصة بهذا البلد أو ذاك قد تأخذ لباسا دينيا أو ثقافيا خاصا ومتميزا عن التشريعات الخاصة في بلد آخر. وبهذا المعنى يمكن أن نعثر على تشريعات ذات طابع إسلامي أو مسيحي أو يهودي....الخ بالمعنى العام لهذه الكلمات، فان القوانين الاقتصادية لا تتعلق بهذا الدين أو ذاك بل بطبيعة أسلوب الإنتاج التاريخي (عبودي، إقطاعي، رأسمالي..). فملكية السيد المطلقة لعبيده ليست تشريعا إسلاميا أو مسيحيا، بل هو قانون اقتصادي خاص بالاقتصاد العبودي. وملكية الأقنان وفلاحي القرون الوسطى جزئيا لوسائل عملهم وإرغامهم على التخلي عن جزء من محصولهم للإقطاعيين والنبلاء والدولة، ليس تشريعا دينيا، بل هو قانون اقتصادي خاص بالاقتصاد الإقطاعي. والأمر نفسه بالنسبة للعمل المأجور، هذه الظاهرة التاريخية الحديثة والخاصة حصريا بالاقتصاد الرأسمالي.

وهكذا فالأمر لا يتعلق باقتصاد إسلامي أو مسيحي....بل باقتصاد عبودي أو إقطاعي أو رأسمالي... والتشريعات والأخلاق مهما اصطبغت بهذا الفضاء الثقافي والحضاري الخاص فإنها إنما تعبر بهذا الشكل أو ذاك عن الطبيعة التاريخية لتلك الأنماط الاقتصادية ومستويات نضجها وتطورها.

لماذا لم يلغ الإسلام العبودية ولماذا حرم الربا؟

رغم أن المعلومات التاريخية المتعلقة بحقبة ظهور الإسلام مغمورة تماما ببناءات حكائية متأخرة يغلب عليها الطابع الأسطوري والتقديسي، خاصة إذا علمنا أن التدوين لم يظهر في الأغلب إلا بعد أكثر من قرنين حسب التقويم الهجري، فان ما هو ثابت لدينا الآن أن العبودية وإن لم تكن أسلوب الإنتاج المسيطر في الجزيرة العربية، فان تجارة العبيد كانت موجودة في تلك الحقبة. والأغلب أن مكة كانت نقطة عبور تجارية، بما جعلها تكتسب أهمية دينية خاصة. أو ربما يمكن تفسير أهميتها الدينية بكونها كانت مركزا تجاريا حيويا. وبغض النظر عن تناقض نتائج البحث الأركيولوجي والتاريخي المعاصر وما يعانيه من مسحة إيديولوجية سواء من الناحية الإسلامية (الشرقية) أو المسيحية (الغربية أو الاستشراقية)، فان الثابت كون الجزيرة العربية في مرحلة ظهور الإسلام كانت تضم أسواقا تجارية مهمة نسبيا، وربما تكون مكة أحد هذه الأسواق. والثابت أيضا أن جزء من التجارة السائدة آنذاك كان يتعلق بتجارة العبيد. لكن كل المؤشرات تدل على أن تجارة العبيد لم تكن هي النشاط التجاري الغالب. إذ حتى لو عدنا للمدونات الإسلامية الأولى فان الحديث عن العبودية لم يكن عنصرا بارزا فيها. والمشرعون القدامى لم يفردوا العبودية بحيز هام في تشريعاتهم برغم تركيزهم الكبير على التشريعات المتصلة بالتجارة عموما. وهذا ربما يفسر أن تجارة العبيد كانت تسير على هامش الأنواع الأخرى من التجارة.

ولعل الموقع الهامشي لتجارة العبيد هو ما يفسر عدم اهتمام الدعوة الإسلامية بها. إذ أن الإسلام اكتفى بإقرار هذه النوعية من التجارة مع إطلاق دعوات أخلاقية عامة لتحرير العبيد. فمن جهة لم تكن الشروط التاريخية في ذلك العصر مهيأة لعملية تحرير شاملة وكلية للعبيد، وهذا ما جعل الإسلام يقرها بصفتها واقعا موجودا. ومن جهة أخرى لم يكن أسلوب الإنتاج يعتمد على العبودية، وهذا ما جعل الدعوات الجزئية للتحرير ممكنة بدون أن تأخذ طابعا إلزاميا. وهكذا فالاسلام لم يعبر إلا عن حالة واقعية ضمن شروط تاريخية محددة. وهذا الأمر ينفي عن الإسلام كونه نمطا اقتصاديا خاصا، أو أن هناك اقتصادا اسمه الاقتصاد الإسلامي قد نشأ على أنقاض أنماط اقتصادية أخرى.

وفي مقابل عدم تصادم الدعوة الإسلامية مع تجارة العبيد، فإننا نجدها حازمة فيما يتعلق بالعلاقات الربوية. إذ أن الإسلام (مثل كل الأديان الكبرى بما في ذلك اليهودية والمسيحية) كان حاسما في هذا الموضوع. والنص المقدس يحرم الربا تحريما صريحا. لكن على عكس ما تروجه الدعاية الإيديولوجية للأحزاب الدينية، فان إعلان تحريم الربا لا يمثل إعلانا عن نشأة نمط اقتصادي جديد. فكما هو معلوم، فان ازدهار التجارة يجد دائما في العلاقات الربوية عائقا ومعرقلا له. فالربا هو في الواقع إخراج جزء من القيم المادية من دائرة التبادل ووضعها في حالة كمون بائرة بيد المرابي. وفي المقابل فان المرابي يتحصل على فائض بدون أن يكون قد ساهم في الدورة التجارية. وإذا علمنا أن القروض الربوية يتم في الغالب توظيفها في الحاجات الاستهلاكية العاجلة للمدين ولا تعبر عن ضخ مالي لتنشيط التجارة، كل هذا يجعل الرأسمال التجاري يقف دائما في نزاع مع الرأسمال الربوي ويجد فيه كابحا لتوسع نشاطه.

وهكذا فتحريم الربا من طرف الإسلام لا يعبر عن نشأة اقتصاد إسلامي جديد، بل هو يعبر عن حاجة أصحاب الرأسمال التجاري لتكسير الحواجز الربوية التي تعرقل نشاطهم. وإذا علمنا أنه حسب الرواية التاريخية الرسمية (وليس مهما إن كانت دقيقة أم لا) فالرسول كان بالأساس يشتغل بالتجارة حتى قبل نشوء الدعوة، فهذا يفسر وبشكل رمزي ولع المشرعين المسلمين بالتجارة (البيع والشراء حلال والربا حرام...التجارة تكسر سلاسل الفقر..) في مقابل التحريم المطلق للربا. أما النزاعات المعروفة مع الطوائف اليهودية التي كانت منتشرة في الجزيرة العربية آنذاك، ففي الغالب فان منشأها كون هذه الطوائف اليهودية كانت تهيمن على النشاط الربوي. وإذا تتبعنا مسار تلك النزاعات نستطيع أن نلاحظ أنه قد تم تأجيجها شيئا فشيئا في مرحلة متأخرة، كتعبير عن تأجج النزاع الواقعي بين الرأسمال التجاري (الإسلامي) وبين الرأسمال الربوي (اليهودي)، إذ لو عدنا للتقاليد الدينية الإسلامية منها واليهودية، لوجدنا تطابقا كبيرا لا يبرر العداء بينهما، في مقابل التسامح النسبي مع المسيحية، وخاصة منها المسيحية الشرقية.

يتبين مما سبق أن الاسلام (كغيره من الأديان) لا يمثل نمطا اقتصاديا خاصا. ولعل أكبر دليل على ذلك أن الاسلام قد حافظ على وجوده كديانة برغم تعاقب الأنماط الاقتصادية من القبلية إلى العبودية إلى الإقطاعية وصولا إلى الرأسمالية الحديثة. ونحن نعرف أن الإسلام قد مثل في نفس الوقت الديانة الرسمية لدول تختلف في أنماطها الاقتصادية. فالإسلام كان ديانة الأندلس التي كانت تشهد ازدهارا في مجالات الزراعة والحرف وظهور المدن الحضرية، وفي نفس الوقت كان أيضا الديانة الرسمية لشمال إفريقيا ذات الاقتصاد المتسم في الغالب بالقبلية واعتماده الأساسي على الرعي. وفي ذات المرحلة كان ديانة جزء من آسيا التي كان نمط اقتصادها يتسم بما يعرف بعلاقات الإنتاج الآسيوية.

أسطورة الصيرفة الإسلامية:

إن التمويه الأساسي الذي تقوم به الأحزاب الدينية في هذا المجال هو المماثلة بين الرأسمال الربوي القديم والرأسمال الحامل للفائدة الحديث. فهم ينطلقون من التشابه الظاهري بين آليات الربا القديمة وآليات التسليف والنظام الائتماني المعاصر، والمتمثلة خاصة في الفوائض، ليوهموا كون نظام القروض المعاصر هو نفسه النظام الربوي القديم. وبذلك يقدمون "اقتصادهم الإسلامي" الذي يحرم الربا على كونه اقتصادا جديدا بديلا عن الاقتصاد الرأسمالي. وهكذا فإنهم يوهمون أنه بتغيير بعض التقنيات المصرفية فسيكون ذلك كفيلا بالتخلص من الرأسمالية ومن كل شرورها وبناء اقتصاد إسلامي عادل. وهم في ذلك لا يختلفون عن كثير من التيارات المسماة مضادة للعولمة التي هي أيضا تقترح بعض التقنيات المالية (معلوم توبين) لمقاومة ما يسمونه طغيان الرأسمال المالي. وكل هذه الإيديولوجيات هدفها الأساسي إبراز عنصر خاص في الرأسمالية وتصويره بصفته السبب في الأزمات والاختلالات، وأنه بالتخلص من هذا العنصر الخاص، أو بتعديله، فان ذلك كفيل بحل التناقضات المستعصية التي يعيشها النظام الرأسمالي. وليس خافيا أن هذه الدعوات إنما تهدف لإصلاح الرأسمالية من أجل تأبيد نظامها، وصرف أنظار الشغيلة وعموم الفقراء عن النضال الفعلي ضد عبودية الأجر التي هي في الحقيقة الأساس العام لكل أشكال الاستعباد والاستلاب الاجتماعي والسياسي.

ولكشف التمويه الإيديولوجي للأحزاب الدينية فسنبدأ بتفحص نظام الإقراض البنكي، وهل هو فعلا نظام ربوي؟
معلوم أنه عندما يقوم المرابي بعملية التسليف فانه يحتفظ لنفسه بجزء من أملاك المدين (قطع مصوغ، عقارات...)، وهو لا يقوم بمجرد تغيير في الطابع الحقوقي للملكية، بل انه ينقل فعليا هذه الملكية لنفسه. فالمدين يفقد وقتيا ملكيته، ولا يمكنه استعمالها لأي غرض (استهلاكي أو إنتاجي) إلى حين تسديد السلفة. وهذا يعني أن الملكية محل الرهن ستبقى في حالة جمود بائر بيد المرابي، بما أن هذا الأخير هو أيضا لن يستثمرها لنفسه سواء بالاستهلاك أو كوسيلة انتاج. وهذا ما يفسر النزاع الدائم بين المنتجين الصغار والرأسمال التجاري الذي يرغب دائما في فتح المجال لتبادل الملكية واستثمارها التجاري من جهة، وبين الرأسمال المرابي الذي يقطع عملية التبادل هذه باحتفاظه بالملكية كرهن جامد خارج دائرة التبادل من جهة أخرى.

أما بالنسبة للإقراض البنكي فانه، وبرغم أنه هو أيضا يغير في الطابع الحقوقي للملكية لصالحه بالرهن، غير أنه فعليا يترك هذه الملكية تحت تصرف صاحبها سواء بالاستهلاك أو لاستعمالها كوسيلة انتاج. وهذا ما يجعل الإقراض البنكي، عكس التسليف الربوي، عامل تنشيط عظيم للتبادل والإنتاج الاجتماعي. فإذا كان التسليف الربوي يحرم المنتج من استعمال ملكيته وبالتالي يدفعه شيئا فشيئا إلى الإفلاس، فان الإقراض البنكي إضافة لكونه يترك للمدين فرصة الاستثمار المنتج لملكيته، فانه يضع بين يديه جزء من الرأسمال الاجتماعي لمزيد إدماجه في دورة الإنتاج العامة.

أما الفوائض المترتبة عن عملية التسليف فهي بالنسبة للمرابي عملية استيلاء مباشر على المنتجين الصغار، وهدفها الأخير هو غالبا الاستيلاء الكلي والنهائي على الملكية محل الرهن. لذلك فالمرابي يسعى في الواقع إلى تفليس المدين من أجل انتزاعه النهائي للملكية لصالحه. وأما بالنسبة للإقراض البنكي، فبالعكس تماما، فسعيه هو تنشيط الإنتاج وخلق حالة ازدهار تسمح للمدين بتحقيق الربح الذي لا تمثل الفائدة سوى اقتطاع منه. وهذا ما يجعل المرابي غير مبال بطبيعة استعمال المدين للأموال المقرضة، في حين الإقراض البنكي يشترط الاستعمال المنتج لهذه الأموال وقدرتها على تحقيق الأرباح، أي إضافة قيمة جديدة في الإنتاج الاجتماعي. ولذلك فإفلاس المدين هو إعلان انتصار بالنسبة للمرابي، أما انتصار الإقراض البنكي فيكمن في ازدهار المدين.

وحتى الإقراض البنكي الموجه للاستهلاك الفردي (وهو ظاهرة مستجدة) فلا يمكن إدراجه ضمن التسليف الربوي بالمعنى الحصري للكلمة. فهو من جهة وفي غالب الأحيان لا يتم في مقابل رهن، بل يعتمد على تقييم قدرة المدين على التسديد. ومن جهة أخرى وحتى بالنسبة للقروض العقارية التي ترهن العقار لصالح البنك المقرض، فان الرهن هو عملية شكلية بالأساس لأن العقار موضوع الرهن يبقى عمليا ملكية للمدين يستعمله لصالحه بصفة فعلية قبل انتهاء مدة تسديد القرض. إضافة لكون البنك لا يستهدف الاستيلاء على تلك العقارات المرهونة، بما أن عدم التسديد الذي يمثل عملية مربحة بالنسبة للمرابي، فانه يمثل أزمة بالنسبة للقطاع المصرفي، وهذا ما عايناه في أزمة الرهون العقارية الأخيرة.

يتبين مما سبق أن نظام القرض المعاصر لا علاقة له من حيث الطبيعة التاريخية بنظام التسليف الربوي القديم. والربا بمعناه الحصري لم يعد له وجود في ظل الرأسمالية إلا كظواهر معزولة وعرضية. وهذا الأمر في حد ذاته يفضح التمويه الإيديولوجي الذي تقوم به الأحزاب الدينية والذي يستهدف تقديم هذه الأحزاب على أنها صاحبة مشروع اقتصادي بديل عن الرأسمالية،والظهور بمظهر المدافع عن التعاليم المقدسة للدين من أجل تحشيد الأنصار وخلق صراعات وهمية لحرف أنظار جمهور الكادحين عن مشاكلهم الفعلية في مواجهة نظام الاستغلال الرأسمالي.

"المرابحة"، أو الجبة الجديدة للرأسمال:

مهما تغيرت التقنيات المصرفية ومهما تبدلت فإنها لا تغير من الطبيعة التاريخية للرأسمال البنكي أو الرأسمال المالي، الذي هو ، كما هو معلوم، اندماج الرأسمال البنكي بالرأسمال الصناعي وتحولهما إلى رأس مال اجتماعي بيد المصارف. ومثلما بينا سابقا، فان نظام الإقراض المعاصر (النظام المصرفي، البورصات، التأمين...) ليس نظاما ربويا بالمعنى التاريخي، والرأسمال المالي ليس الرأسمال الربوي القديم. كذلك فان طرح قضية الربا بصفتها القضية الأساسية في علاقة بالرأسمالية وأزماتها واختلالاتها، ليس سوى تمويه إيديولوجي القصد منه هو افتعال قضية وهمية من أجل التستر على التناقضات الفعلية لهذا النظام الرأسمالي. وهذا يعني أن العمال وبدل أن يناضلوا ضد نظام الاستغلال الرأسمالي نفسه، يتم توجيه طاقاتهم للنضال ضد الربا الذي هو ليس موجودا أصلا. فاحتكار فئة اجتماعية لوسائل الإنتاج واستغلالها جهد المنتجين الحقيقيين للثروة الاجتماعية لصالحها، وتوجيه الإنتاج الاجتماعي نحو الربح والمنافسة بدل تلبية الحاجات الفعلية للبشر، هي كلها أشياء طبيعية بالنسبة للأحزاب الدينية، ولم يبق للشغيلة بنظرهم سوى النضال من أجل تغيير هذه التقنية المالية أو تلك وكأن ذلك سينهي استغلالهم ونهب عرقهم.

ولتدعيم ترسانتها الإيديولوجية قامت الأحزاب الدينية بابتداع ما يسمى "المرابحة" بصفتها نقيضا لنظام الفوائض البنكية. فما هي هذه "المرابحة"؟ وهل هي إلغاء فعلي للفوائض؟

لكن للإجابة عن ذلك علينا أولا فهم طبيعة الفوائض البنكية (أو نظام الفائدة) ومصدرها الحقيقي. فإذا كانت الفوائض الربوية مثلها مثل الأرباح التجارية هي ظواهر تاريخية قديمة سابقة لظهور الرأسمالية، فالرأسمال الربوي والرأسمال التجاري وجدا إلى هذا الحد أو ذاك، منذ العصور القديمة، فان نظام الفائدة (الفوائض المصرفية) مثله مثل الأرباح الصناعية هو ظاهرة حديثة تماما، حيث أن ظهورها التاريخي جاء في المراحل المتقدمة من تطور الرأسمالية. والنظام المصرفي ما كان له أن يوجد بدون تطور مسبق للرأسمال الصناعي، بل إن النظام المصرفي نفسه جاء كتلبية للاحتياجات المتعاظمة لتطور الصناعة والتجارة والانتقال من أشكال الإنتاج التقليدية المعتمدة أساسا على الإنتاج الزراعي (ذو الطابع الأسري بالأساس) والأعمال الحرفية المحدودة، إلى أشكال الإنتاج المعاصرة المعتمدة على التصنيع وتحول الزراعة نفسها إلى فرع صناعي. وهكذا فالرأسمال الربوي والرأسمال المالي يعبران عن طبيعتين تاريخيتين مختلفتين تماما. فإذا كان الأول يعبر عن تأخر تاريخي، وعن أنماط اقتصادية تقليدية، فان الثاني يعبر عن حالة تاريخية متقدمة وعن نمط اقتصادي جديد هو الاقتصاد الرأسمالي بالذات وحصريا. لذلك فان مصدر الفوائض الربوية لا يمكن أن يكون هو نفسه مصدر الفوائض المصرفية. فالأول هو اقتطاع طفيلي وسلبي من انتاج المنتجين الصغار سواء المزارعين منهم أو الحرفيين، بينما الثاني هو اقتطاع من الربح الصناعي، أي من فائض القيمة الاجتماعي. ورغم مظهرهما المتماثل فأنهما لا ينشآن من نفس الحالة الاقتصادية، ولا يشتغلان بنفس الآلية، ولا يؤديان لنفس المآل.

وسلبية الرأسمال الربوي تكمن، كما بينا سابقا، في لامبالاته باستخدامات القرض الربوي، ذلك أن عينه موجهة بالأساس على الملكية المرهونة لديه، وهذا ليس لأنه رأسمال "شرير" مثلما تصوره الدعاية الدينية، بل لكونه يعبر عن شرط تاريخي لم يكن فيه الانتاج من أجل الربح محورالنشاط الاجتماعي. أما الطابع الايجابي للرأسمال المالي فيكمن في كونه موجه للاستثمار المنتج للملكية (أي للرأسمال)، وهذا أيضا ليس لأنه رأسمال "متحضر"، بل لأن الربح أصبح هو المحور العام الذي يدور حوله الإنتاج الاجتماعي في ظل الرأسمالية. وهكذا فالأمر لا يتعلق بالأخلاق بتاتا، بل بشروط اقتصادية تاريخية متباينة. أما الربح الرأسمالي فهو ، كما هو معلوم وكما أبرزه الاقتصاد السياسي البورجوازي نفسه، لا يتأتى إلا من مصدر واحد ووحيد هو فائض القيمة الاجتماعي، أي فائض القيمة المستخلص في ميدان الإنتاج الصناعي (والزراعة والخدمات هي جزء من الإنتاج الصناعي). لذلك فالفوائد المصرفية مثلها مثل الإيرادات والريع... هي ليست سوى اقتطاع من الربح المتحقق في مجال الإنتاج. وهذا ما يجعلنا نؤكد أن الفوائد المصرفية هي بالفعل، وفي الواقع، عملية "مرابحة" بأتم معنى الكلمة. أي أنها عملية توزيع لفائض القيمة الاجتماعي بين أقسام الرأسمال الصناعي والتجاري والمالي والريعي...الخ. لكن "المرابحة" ليست اقتسام الربح فقط، بل هي اقتسام للخسارة أيضا. فانهيار الأرباح لا يمس الرأسمال الصناعي فقط، بل انه يشمل كل أقسام رأس المال. فالأزمة المالية منشأها انهيار الأرباح في ميدان الإنتاج والتوزيع. وبالكساد في مستوى الإنتاج والتوزيع تنهار العائدات الريعية وتتقلص الموارد الجبائية للدولة، وبطبيعة الحال تنهار القدرة الشرائية لعموم الأجراء ويتقلص الاستهلاك الفعلي للبضائع، وحتى العقارات موضوع الرهون البنكية تنهار قيمتها. وهكذا فأزمة في الإنتاج تعني أزمة في كل الرأسمال. وهذا ما أثبتته الأزمة الاقتصادية الأخيرة بكل جلاء.

يتبين مما سبق أن نظام الإقراض المعاصر هو واقعيا نظام "مرابحة" يقتسم فيه الجميع الأرباح والخسارات. ولا يغير في شيء كون هذا الاقتسام قد يكون لصالح هذا الطرف أو ذاك. ففي النهاية فالأمر يسير على نحو يتقاسم فيه الرأسماليون الأرباح وفق حجم مساهمة كل طرف في الرأسمال الاجتماعي، هذا في فترات الازدهار، أما عند وقوع الأزمة فكل طرف يحاول تجنب تحمل كلفة الخسارة وتحميلها للطرف الآخر. وتغيير تقنية مالية أو مصرفية لا يغير من هذا النظام الاقتصادي. ولعل أكثر مجال يشهد التغييرات اليومية هو مجال التقنيات المصرفية بدون أن يغير ذلك في طبيعة هذا النظام الاقتصادي الرأسمالي. وبدون أن يمنع عنه الأزمات والاختلالات وفوضى المنافسة.
ونظام "المرابحة" هذا لا يمكن أن يلغي الفائدة، وإلا فان نظام الإقراض نفسه سينتهي بانتهاء موضوعه، أي الفائدة. ونهاية نظام الإقراض لا يعني سوى نهاية النظام الرأسمالي نفسه. وهكذا فالادعاء الإيديولوجي المحض للأحزاب الدينية بأنها اكتشفت طريقة صيرفية تلغي بها الفوائض لا يعدو كونه مجرد كذبة ساذجة. ولعل الدليل على ذلك هو ما يسمى بالمصارف الإسلامية نفسها. فهل وجود مثل هذه المصارف في السعودية أو قطر قد جعلها تخرج من النظام المصرفي العالمي؟ وهل أن تطبيق هذه المصارف لبعض التقنيات الشكلية الجديدة قد ألغى نظام الفائدة؟ وماذا سيتغير في الواقع اذا كان المصرف يتحصل على فائدة محددة النسبة مسبقا، أو أن يشارك مباشرة في المشروع ويقتسم الأرباح مع صاحبه؟ وما هي حصة المصرف من الأرباح؟ أليست هي الفائدة نفسها، بما أن هذه الأخيرة، وعكس ما يظنه البعض، لا تتحدد نسبتها اعتباطيا، بل ارتباطا بالمتوسط العام للأرباح في فترة محددة. حيث لا تعبر هذه الفائدة إلا عن حصة الرأسمال المصرفي في الأرباح المتحققة. وانهيار الفائدة هو تعبير عن تقاسم المصارف للخسارات التي يتكبدها القطاع الإنتاجي. وهكذا فالفائدة (أو الفوائض البنكية) هي فعليا "المرابحة"، ولن يغير في هذا الواقع تغيير جبتها، أو اختفاؤها تحت أسماء دينية مبتدعة.

وحتى لو كان الأمر يتعلق بالقروض الموجهة للاستهلاك، ماذا سيغير أن المصرف وبدل أن يتحصل على فائدة محددة النسبة مسبقا، يقوم بشراء الملكية موضوع الاستهلاك ثم يبيعها إلى المدين؟ ففي الأخير تبقى هناك فائدة على القرض سواء في شكل فائدة بنكية أو في شكل ربح تجاري مموه. وإذا كان هذا التغيير الشكلي في شكل الفائدة سيريح ضمير المتعاملين فانه لا يغير في واقع الأمور شيئا. وهو فقط يضيف هالة دينية تبريرية على نظام الإقراض الرأسمالي تجعل ضحاياه يقبلون به بطواعية باعتباره متلائما مع إرادة الله التي تختفي وراءها إرادة الأحزاب الدينية في تبرير سلطتها وتسويق نفس البرامج والخيارات الليبرالية.

الإلغاء الشكلي للفائدة من أجل احتكار فعلي للسوق:

لو أخذنا مثال موظف بسيط لم يسمح له مرتبه البائس باقتناء مسكن بإمكانياته الخاصة، فان المصارف التقليدية تضع على ذمته قيمة مالية وفق قدرته على التسديد، وتترك له حرية التفاوض المباشر مع البائع، وهكذا فإنها تضعه في قلب سوق العرض والطلب، أي أن قيمة المسكن موضوع الشراء ستخضع للقوانين العامة لسوق المنافسة الحرة. أما المصارف الإسلامية فإنها تقوم بعملية شراء المسكن بنفسها لتعيد بيعه لهذا الموظف الساذج الذي يظن أنه بذلك قد حقق رغبة الاهية في إلغاء الفوائض. لكن إضافة لكون العملية برمتها لن تتغير إلا من حيث الشكل، إذ الفائدة المصرفية ستغير جلدها في مظهر الربح التجاري، فان الموظف سيحرم من امتياز تفاوضه المباشر مع البائع الأصلي، أي أنه بدل أن يخضع للسوق الحرة، فانه سيخضع لاحتكار المصرف الإسلامي. ولو افترضنا أن هذا المصرف الإسلامي سيمسك بكل عمليات الإقراض العقاري، فان هذا سيعني ليس احتكار هذا المصرف للميدان المالي فقط، بل احتكاره للسوق العقارية برمته، وهذا سيجعله لا يتحكم في أسعار بيع العقارات فحسب، بل أيضا في أسعار الشراء، وهكذا سنصل إلى وضعية يكون فيها مصرف واحد يحتكر سوق العقارات برمته، ويكون بذلك متحكما في هوامش الربح لصالحه. والموظف البسيط الذي ظن أنه قد تخلص من عبئ الفوائض يكون قد خضع لأعظم عمليات الاحتيال، مرتهنا للتحديد الاحتكاري للأسعار.

أما بالنسبة للصناعيين فان المصارف الإسلامية، وباسم المشاركة في الربح والخسارة، وكأن المصارف الأخرى لا تشارك في الربح والخسارة، تتحول من موقع التمويل المالي للأنشطة الصناعية والتجارية، إلى موقع الشريك المباشر في إدارة الأعمال. وبديهي أن هذا الأمر سيؤدي في النهاية إلى الاستيلاء الكامل للرأسمال المصرفي على ميدان الصناعة والتجارة واحتكارهما لصالحه بما أنه من المعلوم أن الرأسمال المصرفي، بما يتميز به من مركزة هائلة للرأسمال، يكون دائما في موقع أقوى بكثير من الرأسماليين الصناعيين المشتتين.

وهكذا فالصيرفة الإسلامية لا تقدم لنا سوى نموذج احتكاري ضمن الاقتصاد الرأسمالي نفسه. أي أنها لا تكتفي بالإبقاء على الأساسات العامة لنظام الاستغلال الرأسمالي، بل هي تضيف عليه نزعة الاحتكار والهيمنة للرأسمال المالي. وهذا في الواقع ليس ابتداعا فريدا من نوعه بقدر ما هو تعبير عن حالة موجودة سلفا داخل النظام الرأسمالي، أي النزعة الاحتكارية للأقطاب الرأسمالية الكبرى ورغبتها في التحكم المطلق في الأسواق. وليس غريبا أن تظهر هذه النوعية من المصارف في الدول الخليجية خاصة، حيث يتوفر الرأسمال على احتياطي من الريع النفطي الهائل، والذي يجد نفسه مدفوعا، لتجنب بقائه في حالة نقدية بائرة، إلى مد أصابعه الأخطبوطية إلى كل مجالات النشاط الاقتصادي ومحاولة السيطرة عليها.

خاتمة:

إن الإيهام بتغيير الاقتصاد من خلال الأخلاق، هو في الواقع استثمار اقتصادي للأخلاق. أي استعمال الأخلاق من أجل إضفاء الشرعية على نظام اقتصادي لصوصي. فالمصارف سواء كانت إسلامية أو كونفشيوسية ستبقى دائما، إذا لم تكنسها الثورة الاجتماعية لعموم الفقراء، مجرد تمركز للرأسمال من أجل الاستثمار الطفيلي لجهد المنتجين الحقيقيين للثورة الاجتماعية، لكن الكذبة عندما يصدقها الناس تتحول، للأسف، إلى قوة مادية تستعيض بها الرأسمالية عن قوة القمع البوليسي من أجل إحكام سيطرة الطبقة السائدة على المجتمع، وخلق حالة من الانصياع الطوعي لجمهور الشغيلة.

ولكي لا نظلم أحدا، ففي الحقيقة فان وهم تغيير أسلوب الإنتاج الرأسمالي، أو الحد من مساوئه، من خلال الأخلاق الإسلامية لا يضاهيه في التوهم سوى الأسطورة الأخرى تلك التي تقول بإمكانية تغيير الاقتصاد من خلال الأخلاق الشيوعية والوفاء للتعاليم المقدسة للماركسية. إذ لو أن الأمر يتعلق بالمبادئ والأخلاق فلا شيء يجعلنا نفضل الأخلاق الشيوعية على الأخلاق الإسلامية. ولا شيء يجعلنا نقدس زعماء الاشتراكية بدل تقديس السلف الصالح. وإذا كان موضوع التغيير الاقتصادي يكمن في العودة للنصوص، فلا شيء يجعلنا نعود بالتقديس لنصوص ماركس ولينين بدل العودة إلى القرآن أو الأناجيل. لكن لحسن حظ البشرية وسوء حظ العقائديين من اليمين ومن اليسار فان التاريخ لا يتحرك وفق العقائد البالية التي يحيطونها بهالة من القدسية، مصورين أنفسهم كملائكة سماوية أو أرضية ستقود البشر إلى جنة الخلد أو جنة الشيوعية. ويحاولون إقناع الشغيلة بأن يسلموا أمرهم لهؤلاء القديسين الذين لا يأتيهم الخطأ لا من خلفهم ولا من أمامهم، وأنه بفضل العصا السحرية للأخلاق يمكن فض المعضلات والكوارث التي يتخبط فيها العالم المعاصر. لحسن حظ التاريخ أن تغييرا جذريا حقيقيا وعميقا لهذا الأسلوب الرأسمالي المتفسخ لن يكون إلا عندما يأخذ ضحايا النظام السائد مصيرهم بأنفسهم، ويكنسون في طريقهم كل هذه الإيديولوجيات والعقائد التي لا تستهدف سوى تأبيد عبوديتهم المعاصرة.

الحوار المتمدن

Related

Share

Rating

0 ( 0 reviews)

Post a Comment

Category
Author
More Options
  • Recent
  • Popular
  • Tag
Tags